سخرت المدعية العامه
سخرت المدعية العامة من طفلٍ صغيرٍ يمسح نعال المارة أمام مبنى النيابة في إسطنبول
لكنها تجمّدت بعد ثوانٍ حين رأت الشامة الصغيرة نفسها التي يحملها طفلها المفقود منذ سبع سنوات.
شعرت إليف بأن الأرض تميد تحت قدميها.
يلماظ…
اسم الرجل الذي أحبته يومًا.
أما رجال الأمن حولها فظلّوا ينظرون بصدمة إلى المرأة الحديدية التي اشتهرت بأنها لا تتأثر بشيء، بينما كانت عيناها تمتلئان بالدموع أمام طفل يلمّع الأحذية في أحد أفقر شوارع إسطنبول.
تجمّدت في مكانها تمامًا، وحدقت في وجه الطفل بلا حركة، فيما كانت السنوات السبع الماضية تنهار فوق رأسها دفعة واحدة.
أمير…
حتى اسمه كان الاسم نفسه الذي اختاره يونس يوم ولادته.
يوم حمله بين ذراعيه داخل مستشفى حكومي صغير في إسطنبول، وقال لها بابتسامة متعبة:
إذا رزقني الله ولدًا… سأسمّيه أمير، حتى لو لم نملك من الدنيا شيئًا.
ابتلعت ريقها بصعوبة.
ثم انخفضت قليلًا وكأنها تريد التأكد أكثر.
لكن قلبها كان يعرف قبل عينيها.
الشامة الصغيرة.. العينان العسليتان.
حتى الطريقة التي يعض بها شفته السفلى عندما يخاف…
كانت تشبه والده بشكل موجع.
همس أحد رجال الأمن باستغراب:
سيدتي المدعية العامة… هل أنتِ بخير؟
انتبهت إليف فجأة إلى الجميع حولها.
الصحفيون قرب الباب.
الموظفون.
رجال الحراسة.
وذلك الطفل الفقير الذي يقف أمامها مرتجفًا لأنه ظن أنه أغضب امرأة مهمة.
عادت قسوتها القديمة إلى وجهها بسرعة.
رفعت رأسها وقالت ببرود:
خذوا الطفل بعيدًا من هنا… لا أريد فوضى أمام المبنى.
اتسعت عينا أمير بصدمة.
ثم انحنى بسرعة يلتقط فرشاته وصندوقه الخشبي قبل أن يركله أحد رجال الأمن مرة أخرى.
لكن قبل أن يبتعد قالت إليف فجأة:
انتظر.
تجمّد الطفل مكانه.
أخرجت من حقيبتها ورقة نقدية كبيرة ومدّتها نحوه.
نظر أمير إلى المال طويلًا دون أن يأخذه.
ثم قال بصوت خافت:
أنا لا أريد صدقة يا سيدتي… فقط كنت أريد العمل.
ارتبك أحد رجال الأمن من طريقته، وهمّ بتوبيخه.
لكن إليف رفعت يدها تمنعه.
وظلت تحدق في الطفل أكثر.
كل كلمة يقولها كانت تسحق شيئًا داخلها.
لأن يونس كان يفعل الشيء نفسه دائمًا.
يرفض المال المجاني حتى في أسوأ أيام الفقر.
قالت بهدوء حاولت أن تخفي فيه ارتجافها:
إذًا… لمّع الحذاء.
جلس أمير فورًا على الأرض وبدأ يعمل بصمت.
بينما بقي رجال الأمن ينظرون إلى بعضهم باستغراب.
لم يحدث يومًا أن سمحت إليف لطفل شارع بالاقتراب منها.
كانت المرأة نفسها التي أمرت قبل أشهر بإبعاد الباعة المتجولين عن محيط المحكمة بحجة حفظ النظام”.
أما الآن فكانت واقفة بلا حركة، تنظر إلى طفل يلمّع حذاءها.
راقبت أصابعه الصغيرة وهي تتحرك بسرعة فوق الجلد الأسود.
أصابع متشققة. أصابع طفل لا يجب أن يكون هنا أصلًا.
سألته فجأة:
أين والداك؟
توقفت الفرشاة بين يدي أمير للحظة قصيرة.
ثم خفض عينيه وعاد يلمّع الحذاء ببطء وهو يقول:
أبي مات.
شعرت إليف وكأن شيئًا حادًا انغرس داخل صدرها.
اختفى الهواء من رئتيها للحظة، واضطربت أنفاسها رغم محاولتها التماسك.
يونس مات؟
ذلك الرجل الذي أحبّته يومًا أكثر من نفسها…
الرجل الذي كانت تظن أنه سيكرهها إلى الأبد لكنه سيبقى حيًا على الأقل…
مات.
رمشت بسرعة محاولة منع الدموع التي بدأت تحرق عينيها.
ثم سألت بصوتٍ خافت مرتجف:
ووالدتك يا أمير؟
سكت أمير عدة ثوانٍ.
حتى ظنت أنه لن يجيب.
ثم قال ببساطة مؤلمة:
لا أعرفها.
انقبض قلبها بعنف.
أما الطفل…
فبقي ينظف الحذاء وكأنه يتحدث عن شخص غريب لا يعنيه.
قال أحد الحراس محاولًا إنهاء الموقف:
سيدتي، الاجتماع سيبدأ خلال عشر دقائق.
أومأت إليف دون أن تنظر إليه.
ثم سألت أمير:
مع من تعيش؟
مع جدتي فاطمة.
أين؟
تردد قليلًا.
كان واضحًا أن جدته علمته ألا يخبر الغرباء بمكانهما.
لم يرد عليها.
أنهى تلميع الحذاء ثم رفع رأسه أخيرًا وقال بصوت صغير:
انتهيت يا سيدتي.
نظرت إليف إلى الحذاء اللامع ثم إلى وجهه.وأخرجت المال مرة أخرى.
هذه المرة أخذه أمير بتردد، لأنه عمل مقابله فعلًا.
لكنها أعطته أكثر بكثير من عشرين ليرة.
وحين لاحظ الرقم ارتبك بسرعة وقال:
سيدتي… هذا كثير.
قالت ببرود تخفي خلفه ارتباكًا:
اعتبره لأنك أتقنت
ثم استدارت ودخلت مبنى النيابة بخطوات سريعة.
لكنها ما إن وصلت مكتبها حتى أغلقت الباب بعنف.
وسقطت أنفاسها دفعة واحدة.
وضعت يديها فوق المكتب تحاول التماسك.
إلا أن صورة الطفل لم تغادر رأسها.
أمير يونس يلماظ.
ذلك الاسم وحده كان كافيًا ليعيدها سبع سنوات إلى الخلف…
إلى الليلة التي دمّرت حياتها كلها.
وقتها كانت إليف مجرد محامية شابة تحاول إثبات نفسها داخل عالم لا يرحم النساء بسهولة.
كانت تعمل ليلًا ونهارًا.. تنام ساعات قليلة.
وتقاتل كي تصل إلى منصب محترم.
أما يونس…
فكان رجلًا طيبًا هادئًا، يعمل موظفًا بسيطًا في أرشيف إحدى المحكمة.
يصلي الفجر كل يوم في المسجد الصغير أسفل منزلهم، ثم يعود حاملًا السميت الساخن وكوبَي شاي قبل أن يذهب إلى عمله.
أحبها بجنون.
لكن الحب وحده لم يكن يكفي إليف وقتها.
كانت تريد مستقبلًا أكبر. اسمًا أكبر. حياة مختلفة.
ثم جاء أمير.وفي البداية ظنت أن الأمومة ستغيّرها.
لكنها كانت تختنق أكثر كل يوم.
حفاضات. بكاء. فواتير.
وشقة ضيقة لا تدخلها الشمس.
في الوقت نفسه بدأت فرصة كبيرة تظهر أمامها داخل النيابة.
منصب تدريبي مهم لن تقبل فيه أي امرأة لديها “التزامات عائلية”.
قال لها أحد المسؤولين وقتها بوضوح:
هذا المجال قاسٍ يا إليف… إما أن تعيشي له بالكامل، أو ستسقطين بسرعة.
وظلت تلك الجملة تطاردها شهورًا.
حتى جاءت الليلة التي انفجرت فيها بوجه يونس.
صرخت فيه لأنها تعبت من الفقر من الغسيل المعلّق فوق المدفأة.
من تأخر الإيجار. من حياتها التي شعرت أنها تبتلع أحلامها ببطء.
أما يونس… فبقي صامتًا طويلًا.
ثم قال بهدوء:
سنصبر يا إليف… الرزق بيد الله.
لكنها لم تعد تريد الصبر.
وفي صباحٍ بارد من شتاء إسطنبول غادرت المنزل.
وتركت طفلها نائمًا في سريره الصغير، بينما كان يونس يؤدي صلاة الفجر في المسجد القريب.
كانت تظن أنها ستبتعد أيامًا قليلة فقط…
حتى تهدأ الخلافات والضغوط التي كانت تخنقها.
لكن حين عادت بعد أسبوعين…
وجدت الشقة القديمة فارغة.
لا يونس.
لا الطفل.
لا حتى ستائر النافذة التي كانت تعرفها.
سألت الجيران بارتباك، فأخبروها أن يونس غادر المكان منذ أيام.
وقفت طويلًا أمام الباب المغلق ثم أقنعت نفسها أن هذا أفضل.
أن أمير سيكبر مع والده بعيدًا عن قسوتها وفوضى حياتها.
وكلما فكرت أن تبحث عنهما…
كانت تهمس لنفسها:
“سيعيش معه أفضل مني… يونس أحنّ مني… وأطهر قلبًا.”
كانت تلك الجملة هي الكذبة الوحيدة التي ساعدتها على النوم.
ثم انشغلت أكثر بالقضايا والمحاكم والجلسات الطويلة…
وأصبح اسمها يكبر يومًا بعد يوم داخل أروقة العدالة.
حتى تحولت إلى “المدعية العامة إليف كارا”…
المرأة التي يخشاها الجميع…
بينما كانت هي عاجزة عن الهروب من نفسها.
لأنها طوال سبع سنوات…
لم تستطع النظر إلى أي طفل دون أن تشعر أن الله يذكّرها بابنٍ تركته نائمًا ذات صباح…
ثم اختفت من حياته إلى الأبد.
قطع طرق الباب أفكارها.
دخل مساعدها بسرعة وقال:
سيدتي، الاجتماع جاهز.
أومأت بصمت.
ثم سألته فجأة:
هل يمكنك أن تبحث لي عن عنوان طفل اسمه أمير يلماظ؟
نظر إليها الرجل باستغراب واضح.
لكنه لم يعلّق.
فقط قال:
سأحاول.
مرّ اليوم كله ثقيلًا.
وكلما فتحت ملفًا قضائيًا.رأت وجه أمير بدل الكلمات.
وكلما سمعت طفلًا يضحك في الخارج.تذكرت كيف كان ابنها يضحك وهو رضيع حين يرفع يونس أذان العصر بصوته الجميل داخل البيت.
وقبل المغرب بقليل.وصلها العنوان.
حدّقت طويلًا في الورقة الصغيرة بين يديها.
حي بالاط.
زقاق ضيق قرب فرن قديم.
شقة تحت الأرض.
أغلقت الملف ببطء.ثم نهضت.ولأول مرة منذ سنوات طويلة… شعرت بالخوف.
ليس من قضية ولا من مجرم.
بل من طفل صغير قد ينظر إليها بعينيه ولا يسامحها أبدًا.
مع اقتراب أذان المغرب…
كانت سماء إسطنبول تميل إلى اللون البرتقالي الباهت، بينما توقفت سيارة إليف السوداء عند مدخل حي بالاط القديم.
نظرت من خلف الزجاج إلى الأزقة الضيقة الممتدة أمامها.
بيوت متلاصقة بألوان باهتة.
سلالم حجرية قديمة.
وحبال غسيل تتدلّى بين النوافذ في مكان كهذا…
عاشت السنوات التي حاولت الهروب منها بكل قوتها.
أطفأت المحرك ببطء لكنها لم تنزل فورًا.
بقيت تمسك المقود
لأول مرة منذ سنوات.لم تكن تعرف ماذا تقول.
ولا كيف تنظر في وجه ابنها ولا كيف تشرح لطفل فقير أن المرأة التي كانت تمر بجانبه صباحًا بأحذية باهظة وسيارات سوداء…
هي نفسها أمه التي اختفت من حياته.
نزلت أخيرًا من السيارة وسارت داخل الزقاق الضيق بخطوات مترددة.
حتى وصلت إلى باب حديدي قديم في أسفل بناية رطبة.
الرقم 12.
تنفست ببطء. ثم طرقت الباب.
لم يجب أحد في البداية لكن بعد لحظات سمعت صوت سعال طويل ومتعب من الداخل.
ثم اقتربت خطوات بطيئة.وانفتح الباب قليلًا.
ظهرت امرأة مسنة تضع وشاحًا صوفيًا فوق رأسها، ويدها ترتجف فوق عصا خشبية.
كانت نحيلة جدًا وشاحبة.
لكن عينيها بقيتا حادتين بشكل مؤلم.
وحين وقعت نظرتها على إليف تجمّد وجهها بالكامل.
ساد صمت ثقيل ثم همست المرأة بصوت مخنوق:
أنتِ…
شعرت إليف بأن الكلمات علقت في حلقها.
قالت بصعوبة:
خالة فاطمة…
لكن المرأة دفعت الباب بقوة محاولة إغلاقه.
إلا أن إليف أمسكت الباب بسرعة.
وقالت برجاء:
أرجوكِ… فقط أريد التحدث.
صرخت فاطمة فجأة بصوت مرتفع جعل بعض النوافذ تُفتح في الأعلى:
بعد سبع سنوات تذكّرتِ التحدث؟!
ارتجفت إليف.
أما المرأة العجوز فبدت وكأن كل وجعها انفجر دفعة واحدة.
قالت بعينين ممتلئتين بالدموع:
ابني مات وهو ينظر إلى الباب كل ليلة منتظرًا عودتكِ وأنتِ الآن جئتِ لأنكِ أصبحتِ مدعية عامة مهمة؟!
خفضت إليف رأسها فورًا.
لم تجد ما تدافع به عن نفسها.
لأن كل كلمة قالتها العجوز كانت صحيحة.
قالت بصوت مكسور:
لم أكن أعرف أنه مريض…
ضحكت فاطمة بمرارة.
ثم قالت:
حتى لو عرفتِ… هل كنتِ ستعودين فعلًا؟
سكتت إليف.
وذلك الصمت وحده كان كافيًا.
في الداخل سمع صوت خطوات صغيرة تقترب.
ثم ظهر أمير.
كان يحمل كيس خبز صغيرًا بين يديه.
لكن ما إن رأى إليف واقفة عند الباب…
حتى تجمّد مكانه نظر أولًا إلى جدته ثم إليها.
وقال بدهشة:
أنتِ المرأة التي في النيابة…
ابتلعت إليف ريقها بصعوبة.
بينما أسرعت فاطمة تمسك كتف حفيدها وكأنها تخشى أن تأخذه منها.
قالت بحدة:
ادخل يا أمير.
لكن الطفل لم يتحرك. بقي يحدّق في وجه إليف طويلًا.
ثم قال ببراءة موجعة:
لماذا تبكين؟
انتبهت إليف فجأة إلى الدموع فوق وجهها.
مسحتها بسرعة. لكنها لم تستطع الكلام.
أما أمير فكان يراقبها بعينين مرتبكتين.
لأنه لم يفهم لماذا جاءت امرأة مهمة من النيابة إلى بيتهم الفقير.
ولماذا تنظر إليه بتلك الطريقة.
قالت فاطمة ببرود:
ماذا تريدين؟
تنفست إليف ببطء.
ثم قالت:
أريد أن أساعدكم.
ضحكت العجوز بسخرية مريرة.
وقالت:
الآن فقط تذكّرتِ المساعدة؟
ثم أشارت إلى الغرفة خلفها:
هل ترين هذا المكان؟ ابنكِ ينام هنا فوق فراش رطب منذ سنوات… وأنا كنت أبيع خاتم زواجي حتى أشتري له الدواء عندما يمرض.
شعرت إليف وكأن أحدهم يضغط سكينًا داخل صدرها.
أما أمير…
فرفع رأسه بسرعة وقال:
جدتي لا تكذب… هي لا تأكل أحيانًا حتى آكل أنا.
أغلقت إليف عينيها لحظة.
ثم نظرت إلى الطفل ملابسه القديمة. حذاؤه المهترئ.
يداه الصغيرتان الملطختان بالسواد.
كل شيء فيه كان يصرخ بأنها فشلت كأم.
قالت بهدوء:
أمير… هل تسمح لي بالدخول قليلًا؟
نظر الطفل إلى جدته بتردد.
أما فاطمة…
فظلت صامتة عدة ثوانٍ قبل أن تبتعد عن الباب أخيرًا.
دخلت إليف ببطء فاصطدمت فورًا برائحة الرطوبة والبرد.
الغرفة صغيرة جدًا.
جدرانها متشققة.
ومدفأة قديمة في الزاوية بالكاد تعمل.
فوق الطاولة كانت هناك صورة ليونس.
شعرت إليف بأن قدميها ضعفتا فجأة.
اقتربت من الصورة ببطء كان يبتسم فيها بنفس الهدوء الذي تتذكره.
لثوانٍ اختفى كل شيء حولها.
وعادت ترى الرجل الذي أحبها يومًا رغم كل قسوتها.
الرجل الذي كان يقول دائمًا:
البيت الذي فيه رحمة… لا يهزم.
لكنها هي من هزمته في النهاية.
قال أمير بفخر صغير:
هذه صورة أبي.
ارتجفت شفتا إليف.
ثم سألت بصوت خافت:
هل تتذكره كثيرًا؟
ابتسم أمير بحزن طفولي.
وقال:
كل يوم.
ثم أضاف:
كان يقول إن أمي ستعود يومًا.
توقفت أنفاس إليف بالكامل.
أما فاطمة فأبعدت وجهها حتى لا ترى دموعها.
سأل أمير ببراءة:
هل تعرفين أمي؟
لم تستطع
شعرت بأن قلبها ينهار ببطء.
كيف تخبره؟
كيف تقول لطفل عاش سنوات يسأل عن أمه إنها كانت قريبة طوال الوقت ولم تأتِ؟
قالت فاطمة بسرعة:
أمير، اذهب وأحضر الشاي.
فهم الطفل أن جدته تريد إبعاده قليلًا.
فأخذ الأكواب الصغيرة وذهب نحو المطبخ الضيق.
وما إن ابتعد حتى اقتربت فاطمة من إليف وهمست بغضب مكتوم:
ماذا تريدين الآن بالضبط؟
قالت إليف بسرعة:
أريد أن أصلح ما فعلته.
ضحكت العجوز بمرارة.
ثم قالت:
وهل تُصلح الأم سبع سنوات من الغياب بكلمتين؟
خفضت إليف عينيها.
ثم همست بصوتٍ مرتجف:
كنت أعيش طوال السنوات الماضية وأنا أقنع نفسي أن أمير بخير مع والده… أن لديه بيتًا دافئًا وحياةً هادئة بعيدًا عن فوضاي.
ابتلعت دموعها بصعوبة ثم قالت:
لم أتخيل يومًا أن ابني قد يكبر في الشوارع… أو يمدّ يده للناس كي يشتري الخبز. لو كنت أعلم أنه يعاني هكذا… والله ما تركته يومًا واحدًا. كنت سأجعله يعيش مرفوع الرأس… مدللًا في عزّ أمّه.
نظرت إليها فاطمة طويلًا.
ولأول مرة رأت الانكسار الحقيقي فوق وجه المرأة التي ظنت دائمًا أنها بلا قلب.
هزّت العجوز رأسها ببطء ثم قالت: هذا لا يبرر ما فعلتِه يا إليف.
ساد الصمت لثوانٍ ثقيلة.
ثم أضافت بصوتٍ خافت:
يونس لم يكرهكِ يومًا بالرغم من تركك له ولطفلك.. حتى وهو يموت كان يدعو لكِ بعد كل صلاة.
ارتجفت إليف فور سماع اسمه وانفجرت دموعها أخيرًا.
غطّت فمها بيدها حتى لا يسمعها أمير.
لكن صوتها خرج مختنقًا:
لماذا… لماذا فعل ذلك بعد كل ما فعلته به؟
أجابت فاطمة بهدوء متعب:
لأنه كان يحبكِ بصدق… ولأنه لم يُرد لابنه أن يكبر وهو يحمل الكراهية.
في تلك اللحظة…
عاد أمير يحمل صينية الشاي الصغيرة بحذر.
ابتسم فورًا وهو يقول:
انتبهوا… الكؤوس ساخنة.
نظرت إليه إليف طويلًا.
ثم مدّت يدها لتساعده. لكن أصابعه الصغيرة لمست يدها للحظة…
فتجمّد الاثنان معًا. شيء غريب مرّ بينهما.
إحساس لا يشبه الغربة. جلس أمير أمامها.
ثم سأل فجأة:
هل لديكِ أطفال؟
اختنقت أنفاس إليف.
أما فاطمة فأغلقت عينيها وكأن السؤال أصابها في قلبها.
بعد ثوانٍ طويلة. أجابت إليف بصوت مرتجف:
كان لدي طفل صغير…
نظر إليها أمير باهتمام.
فسألتها فاطمة بسرعة محاولة إنهاء الحديث:
ألم يكن لديكِ عمل مهم في النيابة؟
لكن أمير سبقها وقال:
وماذا حدث له؟
شعرت إليف بأن الدموع ستفضحها مجددًا.
ثم قالت بصعوبة:
أضعته…
ساد الصمت داخل الغرفة حتى صوت المطر الخفيف بالخارج بدا أوضح.
أما أمير…
فنظر إليها بحزن حقيقي وقال:
لا بد أنكِ بكيتِ كثيرًا إذًا.
وفي تلك اللحظة شعرت إليف أن قلبها تحطم بالكامل.
مرت عدة دقائق دون أن يتكلم أحد.
كان صوت المطر الخفيف يضرب زجاج النافذة القديمة…
وصوت غلاية الماء الصغيرة يملأ الفراغ داخل الغرفة الباردة.
أما إليف…
فبقيت تنظر إلى أمير وكأنها تحاول حفظ ملامحه بعد سبع سنوات من الضياع.
وفجأة سعلت فاطمة بقوة.
فنهض أمير بسرعة يساندها بقلق، ثم بدأ يبحث عن دوائها فوق الرف الصغير قبل أن يدخل إلى المطبخ الضيق ليحضر لها كوب ماء.
راقبته إليف بصمت طويل.
طفل في الثامنة…
يتحرك داخل البيت كربّ أسرة كامل.
وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا متأخرًا جدًا:
ابنها لم يعد ذلك الرضيع الذي تركته نائمًا ذات صباح.
كبر دونها وتعلّم الحياة دونها وحزن دونها أيضًا.
وحين اختفى أمير داخل المطبخ التفتت إليف أخيرًا نحو فاطمة.
ثم قالت بصوت خافت مكسور:
أعرف أنني خسرت حقي فيه منذ اليوم الذي تركته فيه… ولن أحاول أخذه منكِ، ولن أقول له الحقيقة إذا كنتِ لا تريدين ذلك.
نظرت إليها العجوز بصمت متحفّظ.
أما إليف فأكملت وعيناها معلقتان بالممر الذي اختفى فيه أمير:
أنا لا أطلب أن يسامحني… ولا حتى أن يحبني. فقط… لا تتركوه يضيع أكثر من هذا.
ثم أخرجت ظرفًا صغيرًا من حقيبتها ووضعته فوق الطاولة بسرعة قبل أن تعترض فاطمة.
وقالت:
هذا ليس صدقة… هذا حقه. سأرسل مبلغًا كل شهر لتعليم أمير وعلاجه وكل ما يحتاجه. أريده أن يعود إلى المدرسة… أن يعيش حياة تليق به.
عقدت فاطمة حاجبيها وقالت ببرود:
ولماذا الآن؟
ابتلعت إليف ألمها بصعوبة.
ثم همست:
لأنني حين رأيته اليوم… فهمت أن الله لم يعاقبني بابتعاده عني.
رفعت عينيها الممتلئتين بالدموع نحو العجوز وأكملت:
عاقبني بأن أراه أمامي… ولا أملك حق الاقتراب منه.
ساد الصمت داخل الغرفة.
وفي تلك اللحظة عاد أمير يحمل كوب الماء لجدته دون أن يفهم شيئًا مما قيل.
اقتربت إليف ببطء من الباب.
ثم توقفت للحظة ونظرت إلى أمير طويلًا.
كانت تريد أن تضمه.
أن تخبره بالحقيقة. أن تعتذر عن سبع سنوات كاملة.
لكنها أدركت أن بعض الاعتذارات…
تأتي متأخرة أكثر مما ينبغي.
فاكتفت بابتسامة صغيرة متعبة وقالت:
أنت طفل شجاع جدًا يا أمير.
نظر إليها الصبي بحيرة خفيفة.
ثم سأل:
هل ستأتين مرة أخرى؟
ارتجفت شفتا إليف للحظة.
ثم نظرت نحو فاطمة قبل أن تجيب بهدوء:
إذا سمحت لي جدتك.
لم ترد فاطمة.
أما إليف…
فاكتفت بهزة رأس خفيفة ثم غادرت البيت تحت المطر البارد.
وبعد ثوانٍ…
ركض أمير نحو النافذة الصغيرة.
وظل يراقب السيارة السوداء وهي تبتعد ببطء في آخر الزقاق.
ثم سأل جدته بصوت خافت:
لماذا أشعر أنني أعرفها؟
أغمضت فاطمة عينيها طويلًا.
ثم قالت بتعب:
بعض الناس… يتركون شيئًا منهم داخل قلوبنا حتى بعد الغياب.
سكت أمير.
ثم عاد إلى صندوق تلميع الأحذية المكسور في زاوية الغرفة…
وجلس يحاول إصلاحه بصمت.
بينما كانت إليف، في الطرف الآخر من المدينة…
تبكي للمرة الثانية فقط منذ سنوات، غير عابئة إن كان أحد يراها.
ولأول مرة منذ زمنٍ طويل…
لم تشعر أنها المرأة الحديدية التي اعتادت النجاة دائمًا.
بل أمٌّ…
وصلت متأخرة أكثر مما ينبغي.
وفي تلك اللحظة،
شعرت أن قلبها انكسر بالكامل.
ليس لأنها خسرته…
بل لأنها أدركت، متأخرة جدًا،
أن الله لا يعاقب بعض الأمهات بحرمان أطفالهن منهن…
بل بأن يبقوا قريبين منهم طوال الوقت،
دون أن يملكن يومًا الحق في أن يُطلق عليهن اسم "أم".