بعد وفاة عمي ٢

لمحة نيوز

فات شهر، وشهر جاب شهر، وحالتي كانت بتسوأ. شيرين كانت عايشة حياتها عادي، خروجات وعزومات، وأنا كنت عايش في سجن جوه نفسي. كل ما أبص لرجلي وهي ماشية على سجاد بيتي الغالي، أفتكر إيد ندى وهي بتمسح البلاط المبلول.
قررت إني لازم ألاقيها، مش عشان أرجعها لي -لأني بقيت عارف إني مستاهلهاش- بس عشان أريح ضميري اللي مبيسبنيش أنام. بدأت رحلة التدوير من نفس المستشفى. رحت لمسؤول العمال وضغطت عليه بشوية فلوس عشان يديني أي بيانات من "صورة البطاقة" اللي قدمت بيها عشان تشتغل اليومية دي.
بص لي المسؤول وقال لي: "يا أستاذ، هي كانت ساكنة في منطقة عشوائية ورا القلعة، بس العنوان اللي في البطاقة قديم قوي، غالباً عزبة منسية هناك".
أخدت العنوان ورحت. شوارع ضيقة، ريحة فقر، وبيوت حيطانها بتصرخ. فضلت ألف وأسأل: "حد يعرف ندى؟ ندى اللي كانت بتشتغل في مستشفيات؟". لحد ما دلتني ست عجوزة قاعدة قدام باب بيت مهدود: "قصدك ست البنات ندى؟ يا ضنايا دي سابت الحتة من شهرين، بعد ما جالها شغلانة تانية في دار رعاية مسنين، قالت المكان هنا بيفكرها بناس باعت لحمها".
عرفت اسم دار الرعاية ورحت لها. قلبي كان بيدق كأنه هيقف وأنا داخل. سألت عنها، الموظفة قالت لي: "ندى؟ أيوه موجودة، هي دلوقتي مع الحالات في الجنينة ورا".
مشيت بخطوات تقيلة لحد ما شفتها. كانت قاعدة على كرسي خشب، وجنبها راجل عجوز قوي، ماسكة إيده وبتحكي له حكاية عشان يهدى وينام. مكنتش لابسة اليونيفورم الأزرق، كانت لابسة عباية سودة بسيطة بس نظيفة جداً، ووشها

كان فيه هدوء غريب، هدوء حد اتصالح مع وجعه.
قربت منها، خيالي جه عليها، رفعت راسها وشافتني. مكنش في عينيها صدمة المرة اللي فاتت، كان فيه "شفقة".
قلت بصوت مرتعش: "ندى.. أنا قلبت الدنيا عليكي".
قامت وقفت براحة، وبصت للراجل العجوز تطمن عليه، وبعدين بعدت خطوتين وقالت ببرود: "قلبت الدنيا ليه يا ابن عمي؟ محتاج حد يمسح لك الأوضة تاني؟ ولا شيرين هانم نسيت خاتمها في حتة وعايزة تتهمني بيه؟"
نزلت راسي في الأرض: "أنا جاي أعتذر.. جاي أقولك إني غلطت في حقك وفي حق أبوكي. ندى، أنا جهزت لك شقة، وكتبت لك مبلغ في البنك يعيشك هانم طول عمرك.. مش عايز منك حاجة، بس تقبلي ده وتسامحيني".
ندى ضحكت ضحكة خفيفة، بس كانت توجع أكتر من العياط: "شقة؟ وفلوس؟ إنت فاكر إن كل حاجة بتتحل بالفلوس زي ما شيرين فاهمة؟ يا ابن عمي، أنا لما خرجت من بيتك، خرجت ومعايا كرامتي، ودي الحاجة الوحيدة اللي الفلوس متبنيهاش لو اتهدت".
كملت وهي بتبص لإيدها: "أنا هنا باخد ماهية بسيطة، بس باخد معاها دعوة حلوة من حد غلبان، وبنام وأنا راسي مرفوعة. الشقة اللي إنت جايبها لي دي، هعيش فيها إزاي وأنا كل ركن فيها هيذكرني بإنك "اشتركت" في ذلي؟"
مسكت طرف العباية بتاعتها وقالت بحدة: "لو عايزني أسامحك بجد، ابعد عن طريقي. كفاية عليا إني شوفتك وإنت مكسور المرة دي.. ده حقي وخدته. الفلوس دي روح اتبرع بيها للمستشفى اللي شوفتني فيها، يمكن تنضف الذنب اللي محاوطك".
لفت ضهرها ومشت، ورجعت قعدت جنب الراجل العجوز وكأنني مكنتش موجود. وقفت مكاني
مش عارف أتحرك، المحفظة في جيبي تقيلة كأنها جمرة نار، وعرفت إن فيه بيبان لما بتتقفل بالوجع، مفيش مفاتيح دهب في الدنيا تقدر تفتحها تاني.
بقيت أروح دار المسنين كل أسبوع، بس من بعيد لبعيد. أركن عربيتي في ركن مداري وأقعد أراقبها وهي بتتحرك وسط العواجيز كأنها ملاك بعتته السما عشان يطبطب عليهم. كنت بشوفها وهي بتضحك معاهم، وهي بتأكل حد فيهم، وهي بتمسك إيد واحدة ست غلبانة وتسمع حكاويها.. ندى كانت بتنور المكان، وأنا كنت بضلم في مكاني وأنا شايف إن الجوهرة دي كانت في إيدي وضيعتها.
​شيرين بدأت تلاحظ غيابي وسرحاني، بس كنت بتهرب منها بأي حجة. مكنتش طايق أسمع صوتها ولا طايق الرفاهية اللي إحنا عايشين فيها وهي متبنية على حساب كسر نفس ندى.
​وفي يوم، رحت الدار كالعادة، بس لقيت المكان فيه حركة غريبة. زينة متعلقة، وصوت ضحك عالي، والناس لابسة أنضف ما عندها. قلبي قبضني، دخلت الدار المرة دي ومهمتنيش المظاهر، سألت الممرضة اللي على الباب: "هو فيه إيه النهاردة؟ حفلة؟"
​الممرضة ضحكت وقالت لي: "حفلة إيه يا أستاذ.. ده النهاردة كتب كتاب ندى! ربنا سابها طول العمر ده عشان يرزقها بسيد الرجالة."
​الكلمة نزلت عليا كأنها جبل وقع فوق دماغي. دخلت الجنينة بخطوات مهزوزة، وشفت المشهد اللي عمره ما جه في خيالي. ندى كانت قاعدة لابسة فستان أبيض بسيط قوي، بس كانت زي القمر، وشها فيه نور مبيتمحيش. وجنبها شاب ملامحه هادية ومحترمة، باين عليه ابن ناس ومثقف.
​الراجل العجوز اللي كانت ندى بتهتم بيه دايماً كان قاعد في
النص، وحاطط إيده فوق إيديهم والدموع في عينيه. عرفت بعدها إن الشاب ده يبقى ابنه، كان مسافر برا يشتغل عشان يجهز نفسه، ولما رجع وشاف ندى وهي بتشيل أبوه في عينها، وشاف حنيتها وأصلها، مقدرش يفرط فيها.. قال لأبوه "دي اللي هتحافظ عليا وعلى بيتي زي ما حافظت عليك".
​المأذون بدأ يقول: "بارك الله لكما وبارك عليكما.."
​وقفت ورا شجرة، والدموع مغرقة وشي. كنت شايفها وهي بتمضي على القسيمة، شفت الفرحة الحقيقية في عينيها، الفرحة اللي مكنتش هتشوفها معايا أبداً. وفي لحظة، ندى رفعت عينها وشافتني.. بصت لي نظرة طويلة، بس المرة دي مكنش فيها وجع، ولا عتاب، ولا حتى شماتة. كانت نظرة "وداع" أخيرة، كأنها بتقول لي: "شوفت؟ ربنا عوضني باللي يستاهلني، وباللي عارف قيمة الست اللي بتصون شرفها بلقمة حلال."
​العريس باس راسها، والكل بدأ يزغرد. خرجت من الدار وأنا حاسس إني عريان، مهزوم هزيمة مفيش بعدها قومة. ركبت عربيتي وبصيت في المراية، وشفت واحد ضيع جوهرة عشان يعيش مع "سراب".
​رجعت البيت، لقيت شيرين واقفة وبتقولي بنرفزة: "إنت كنت فين؟ واللانش بوكس بتاع ياسين ضاع في النادي، لازم تنزل تشتري واحد زيه فوراً عشان ميعيطش".
​بصيت لها ببرود وقلت لها: "ياسين مش محتاج لانش بوكس يا شيرين.. ياسين محتاج أب بجد، وأنا النهاردة بس عرفت إني كنت مجرد صورة.. واللانش بوكس والفلوس وكل اللي إحنا فيه ده، ميسواش ضفر واحدة زي ندى."
​سبتها ودخلت أوضتي، وقفلت الباب، وعرفت إن ندى النهاردة بدأت حياتها، وأنا حياتي انتهت في اللحظة
اللي قولت لها فيها "اتصرفي

تم نسخ الرابط