ما أن غادر زوجي في رحلة عمله

لمحة نيوز

كانت وداعات المطارات من المفترض أن تكون سهلة. قبلة سريعة، ووعد لطيف بإرسال رسالة عند الوصول، ثم تعود الحياة لتنتظم بهدوء في روتينها المعتاد.
هذا ما كنت أعتقد أنني أفعله صباح ذلك الخميس في مطار الملكة علياء الدولي. كنت أقف تحت الأضواء الساطعة الباردة، أراقب زوجي وهو يتجه نحو بوابة السفر في رحلة عمل أخرى مدتها ثلاثة أيام.
كانت بدلته الكحلية أنيقة، وابتسامته متقنة. بدا وكأنه قد غادر بالفعل قبل أن تقلع الطائرة.
قال وهو يقبّل جبيني قبلة مألوفة
عمّان إلى دبي سأعود قبل أن تشعري بغيابي.
وفجأة، شدّ ابني يدي بقوة جعلتني أتألم. انحنى نحوي، وصوته بالكاد يُسمع
ماما لا يمكننا العودة إلى المنزل.
كدت أبتسم، لأن الأطفال يتخيلون الأشياء بشكل حيّ جدًا. يسمعون أجزاءً من أحاديث الكبار، ثم يملؤون البقية بوحوش أو قصص غريبة.
لكن عينيه كانتا ثابتتين وباردتين. لم يكن يتخيل شيئًا على الإطلاق.
همس بإلحاح
هذا الصباح، كان أبي يتحدث على الهاتف عنا ولم يكن الأمر طبيعيًا.
انقبض صدري وأنا أنظر إلى وجهه الشاحب.
أرجوكِ صدّقيني هذه المرة، قال متوسلًا.
عبارة هذه المرة ضربتني كصفعة قوية. لم تكن هذه أول مرة يحاول فيها تحذيري خلال الأسابيع الماضية.
قبل شهر، أشار إلى سيارة داكنة اللون كانت تقف لفترة طويلة قرب صناديق البريد في نهاية الشارع. وفي صباح آخر، ذكر أنه سمع أصواتًا منخفضة وحادة خلف باب مكتب والده المغلق.
كنت أجد تفسيرًا لكل شيء لأنني كنت أريد

أن تكون حياتنا طبيعية. أردت أن يكون الحلم الهادئ حقيقيًا.
لكن وأنا واقفة هناك في صالة المطار، أشعر بارتجاف يده الصغيرة في يدي، تغيّر شيء داخلي أخيرًا.
لذلك لم نعد إلى المنزل.
قدت السيارة دون تفكير، عبر شوارع جانبية، وأنا أدور حول حي دابوق في عمّان. كانت غريزتي تحاول الهروب من شيء لم أستطع تسميته بعد.
حاولت أفكار عادية أن تعيدني إلى الواقع. فكرت في المشتريات داخل الثلاجة، وفي رسائل المدرسة التي يجب أن أجيب عليها.
لكن لم يعد أي شيء يبدو طبيعيًا، بينما كانت الشمس تغرب فوق أفق عمّان.
أوقفت السيارة على بعد شارع من منزلنا، وأطفأت المحرك.
من بعيد، بدا كل شيء كما هو مثاليًا. كان ضوء الشرفة مضاءً، والعشب ساكنًا تحت ضوء القمر.
اهتز هاتفي في حامل الأكواب. نظرت لأجد رسالة
وصلت للتو. آمل أنكما نائمان. أحبكما.
ظللت أحدق في الرسالة حتى تلاشت الكلمات أمام عيني.
ثم ظهرت أضواء سيارة في شارعنا الهادئ.
كانت تتحرك ببطء ببطء شديد لا يشبه عودة جار إلى منزله.
شاحنة داكنة اللون مرّت أمام كل منزل وكأن السائق يعدّ البيوت. لم تكن تحمل أي شعارات، وكانت نوافذها معتمة بالكامل.
توقفت مباشرة أمام منزلنا.
شدّ ابني حقيبته أكثر.
همس
هذه هي.
نزل رجلان من الشاحنة بهدوء وثبات. لم يبدوا كزوار أو سائقين ضائعين.
كانا يتحركان وكأنهما يعرفان المكان جيدًا.
توجه أحدهما مباشرة نحو باب منزلنا، وأدخل يده في جيبه.
للحظة قصيرة، انعكس شيء معدني تحت ضوء الشرفة.

مفتاح.
وعندما أدخل المفتاح في القفل بسهولة تامة
تجمّد قلبي.
لأنهما لم يحاولا اقتحام المنزل.
بل كان لديهما المفتاح بالفعل.
كانا ينتميان إلى هناك.
لم أستطع أن أجيبه. الحقيقة كانت أثقل من أن تُقال.
ثم وصلتني الرائحة.
رائحة البنزين.
تسللت عبر نافذة السيارة المفتوحة قليلًا مع نسيم الليل. ثم رأيت خيطًا رفيعًا من الدخان الرمادي يتصاعد من نافذة الطابق العلوي.
توقف قلبي في صدري.
وفي لحظة اشتعلت النار داخل غرفة الجلوس.
تسلقت ألسنة اللهب الجدران بسرعة مرعبة لا ترحم.
انطلقت صفارات الإنذار في البعيد. وفي اللحظة نفسها، انطلقت الشاحنة مبتعدة عن المكان واختفت عند أول زاوية.
لفّ ابني ذراعيه حول خصري وأنا أنهار على الأرض. لم أستطع أن أرفع عيني عن ذلك الجحيم الذي كان قبل دقائق فقط منزلنا.
اهتز هاتفي في يدي.
رسالة جديدة
وصلت للتو. آمل أن تكوني أنتِ وابننا نائمين جيدًا. أحبكما.
نظرت إلى الشاشة ثم إلى البيت المحترق.
وفي تلك اللحظة فهمت الحقيقة المرعبة.
لو لم أصدق ابني في المطار لكنا الآن داخل ذلك المنزل. نائمين في أسرّتنا.
يحترق كل شيء ونحن معه.
وأدركت بشعور غثيان قاسٍ أن الخطر لم ينتهِ.
وصول رجال الإطفاء كان سريعًا، وأضواء سياراتهم كانت تومض بين الأشجار.
خرج الجيران إلى الشارع بملابس النوم والدهشة على وجوههم. سمعت أحدهم ينادي اسمي، لكنني بقيت في الظل.
لم أستطع الحركة.
كان جسدي كأنه تحوّل إلى حجر.
التصق ابني بجانبي، يبكي بصمت يحاول
أن يكون قويًا من أجلي.
راقبت النار وهي تلتهم البيت وكأنها كائن حي.
انفجرت نوافذ الطابق العلوي بصوت حاد.
النار كانت تقترب من غرفة ابني.
انهارت ركبتاي وسقطت على الأرض الباردة.
في تلك اللحظة، أدركت أن زوجي كان يصنع عذرًا مثاليًا بينما كان من المفترض أن نحترق داخله.
كان بعيدًا، في مدينة أخرى يضمن أن قصته ستكون نظيفة.
انقلبت معدتي وتقيأت في الشارع.
ذلك النوع من الألم الذي يأتي عندما تدرك أن حياتك كلها كانت كذبة.
ربت ابني على ظهري بخفة.
أنا آسف يا ماما همس.
مسحت فمي واحتضنته بقوة.
لا أنت أنقذتنا.
ماذا سنفعل الآن؟ سألني بصوت مرتجف.
لم يكن لدي جواب.
السؤال لم يكن فقط أين سننام الليلة
بل من يمكننا الوثوق به بعد الآن؟
لو اتصلت بالشرطة الآن ماذا سأقول؟
زوجي في مدينة أخرى ولديه حجة مثالية.
الناس يحبونه.
يرونه الرجل المثالي صاحب الأعمال الخيرية الصور الجميلة الابتسامة الدائمة.
سينظرون إليّ وكأنني فقدت عقلي.
سيقولون إن الصدمة جعلتني أتوهم.
ثم سيتصلون به ليأتي ويأخذني.
تجمّد الدم في عروقي عند الفكرة.
أجبرت نفسي على التنفس ببطء.
كنت بحاجة لمساعدة خارج دائرته.
وهنا عاد صوت أبي إلى ذهني.
قبل عامين، في غرفة مستشفى في وسط عمّان، أمسك بيدي بقوة غريبة وقال
أنا لا أثق بزوجك.
ضحكت يومها.
بابا، كفى هو يعتني بنا.
لكنه لم يبتسم.
نظر إليّ طويلًا، ثم قال
إذا احتجتِ مساعدة حقيقية يومًا اتصلي بهذه.
ووضع بطاقة في يدي.
احتفظت بها رغم شعوري
بالذنب.
والآن تذكرت.
لم تكن البطاقة معي.
لكن الرقم كان محفوظًا في ملاحظاتي.
ارتجفت يداي وأنا
 

تم نسخ الرابط