ولد يطلبها في المستشفى

لمحة نيوز

المستشفى كلمتني وقالت لي إن في ولد صغير حاطط اسمي كجهة اتصال للطوارئ. ضحكت بتوتر وقلت مستحيل، أنا عندي 32 سنة، مش متجوزة ومعنديش ولاد. بس لما قالوا لي إنه مش راضي يبطل يسأل عليا، ركبت عربيتي ورحت لهناك.. وأول ما دخلت الأوضة، الدنيا وقفت بيا..
المستشفى كلمتني الساعة 1138 ليلة التلات. كنت هكنسل لأني كنت واقفة في المطبخ، حافية وتعبانة، وبحاول أقنع نفسي إن شوية كورن فليكس ينفعوا يبقوا عشا. الأرقام الغريبة بعد الساعة عشرة عادةً بتكون سبام أو حد من الشغل ناسي حدوده.
بس في حاجة خلتني أرد.
أستاذة نورا السعيد؟ واحدة سألتني.
أيوة.
معاكي مستشفى السلام الدولي. عندنا ولد هنا، واسمك مكتوب كجهة الاتصال بتاعته في الطوارئ.
بصيت للموبايل باستغراب وضغطت عليه أكتر أنا آسفة، بتقولي إيه؟
قاصر. ولد. عنده حوالي حداشر سنة. اسمه يحيى.
قلت ببطء أنا معنديش ولاد. أنا عندي 32 سنة ومش متجوزة. أكيد في نورا السعيد تانية غيري.
سكتت شوية، وسمعت صوت ورق بيتحرك، وبعدين الممرضة وطت صوتها وقالت
هو مش بيبطل يسأل عليكي. تعالي بس.
بطني اتكركبت.
مين اللي اداله رقمي؟
لسه بنحاول نعرف. جالنا بعد حادثة طريق. هو واعي بس مرعوب. معاه كارت في شنطته مكتوب فيه اسمك بالكامل ورقم موبايلك وعنوانك.
مسكت طرف الرخامة بقوة هو متبهدل؟
حالته مستقرة. كدمات، ارتجاج بسيط، وكسر في المعصم. بس مش راضي يرد على أي سؤال إلا لما نكلمك.
كان المفروض أقول لأ. كان المفروض أقول لهم كلموا النجدة، ولا حماية الطفل، ولا أي حد تاني. بس في طفل بيطلبني بالاسم في أوضة مستشفى، ودي حاجة مستحيل أعرف أنام بعدها.
بعد عشرين دقيقة، دخلت المستشفى بشعري المبلول، وشرابات مش لايقة على بعض، وقلبي

بيدق لدرجة إني حاسة بنبضه في زوري.
قابلتني ممرضة اسمها مريم عند المكتب.
قالت لي شكراً إنك جيتي. هو في أوضة 12. بس قبل ما تدخلي، لازم أسألك.. تعرفي حد اسمه يحيى فريد؟
لأ.
طب تعرفي واحدة اسمها رشا فريد؟
الاسم نزل عليا زي المية الساقعة.
الاسم ده مسمعتوش من 12 سنة.
رشا كانت زميلتي في الكلية، وأنتيمتي، وفي الآخر كانت الشخص اللي اختفى من حياتي بعد ليلة سودة، واتهام، وسكوت مفيش واحدة فينا حاولت تكسره.
همست كنت أعرفها.
مريم بصت في وشي بدقة يحيى بيقول إنها والدته.
رجلي مكنتش شايلاني.
مشيت وراها في الطرقة.
في أوضة 12، كان في ولد صغير قاعد على السرير، إيده الشمال ملفوفة، وشعره الأسود ملزوق على قورته. وشه كان مخطوف، وشفته متعورة، وعينيه الاتنين الواسعة والمرعوبة واللي ملامحها عارفها كويس أوي جت في عيني أول ما دخلت.
للحظة، مفيش حد فينا نطق.
بعدين همس وقال نورا؟
ريقي نشف أيوة.
دقنه بدأت تترعش ماما قالت لي لو حصل أي حاجة وحشة، لازم ألاقي الست اللي عينيها اتنين...
سكت ثواني وهو بيبص لي بتركيز، وعينيه بدأت تدمع. كمل كلامه وصوته بيقطع ماما قالت لي إنك الوحيدة اللي هتعرفي تحميني.. وقالت لي أقول لك إن العهد لسه منتهىش.
الكلمة دي وقعت عليا كأنها صاعقة. العهد ده كان سر بينا وإحنا في تانية جامعة، جملة تافهة كنا بنقولها لبعض إننا هنفضل سند لبعض مهما حصل، بس الكلمة دي مخرجتش بره أوضتنا وقتها. رشا بعتت لي ابنها برسالة مشفرة مش هيفهمها غيري.
قربت منه ببطء، وقعدت على طرف السرير. يحيى.. هي فين ماما؟
نزل عينه في الأرض وبدأ يعيط بجد، جسمه كله كان بيترعش. مش عارف.. كان في ناس بيخبطوا على الباب جامد، وهي كانت خايفة أوي. دخلتني من الباب
الوراني وقالت لي أجري وموقفش غير لما ألاقي حد يساعدني، ولما جيت أعدي الطريق العربة خبطتني.
طلعت الكارت اللي كان معاه من الشنطة وبصيت فيه. كان مكتوب بخط إيدها المهزوز، الخط اللي كنت عارفاه زي ما بكون شفته امبارح. بس في ضهر الكارت كان في جملة تانية مكتوبة بخط صغير جداً متثقيش في حد يا نورا، ولا حتى اللي لابسين يونيفورم.
بصيت حواليا في الممر بتوتر، وفجأة شفت الممرضة مريم واقفة بعيد بتتكلم في التليفون وبتبص لي بصه غريبة، ومعاها اتنين لابسين بدل سوداء واقفين على أول الطرقة.
قلبي وقع في رجلي. مكنتش مجرد حادثة، ورشا مكنتش بس مختفية. يحيى مكنش محتاج مستشفى، كان محتاج يهرب.
مسكت إيد يحيى اللي مش مكسورة وهمست له تقدر تقوم تمشي معايا دلوقتي حالا؟
بص لي بخوف وهز رأسه ب أيوة.
طيب، اسمعني كويس.. إحنا هنخرج من هنا كأننا رايحين نجيب حاجة من العربية، ومش هنبص ورا خالص.
لسه بنقوم، لقيت باب الأوضة اتفتح والاتنين اللي بالبدل السوداء دخلوا، وواحد منهم طلع كارنيه وقال ببرود أستاذة نورا؟ إحنا من جهة سيادية، ومحتاجين ناخد الولد معانا لاستكمال التحقيقات.
يحيى مسك في دراعي بكل قوته، وأنا بصيت للكارت اللي في إيدي.. للجملة اللي رشا كتبتها متثقيش في حد.
وقفت قدام يحيى وبصيت لهم بكل ثبات رغم إن ركبي كانت بتخبط في بعض الولد مش هيتحرك من هنا غير بقرار من النيابة، وأنا مش هسيب ابني يروح في حتة.
الراجل ضيق عينيه وقرب خطوة ابنك؟ أنتي لسه قايلة للممرضة إنك معندكيش ولاد.
ابتسمت بوجع وقلت له غيرت رأي.. ده ابني، ووروني بقى هتاخدوه مني إزاي.
الراجل اللي لابس بدلة ضحك ضحكة باردة تخوف، وقرب خطوة كمان وهو بيعدل الجاكيت بتاعه أستاذة نورا، بلاش
تصعبي الأمور على نفسك. الولد ده وراه حوارات أكبر منك بكتير، واللعب مع الكبار عواقبه وحشة.
في اللحظة دي، يحيى ضغط على إيدي جامد، وهمس بصوت واطي جداً الشنطة.. يا نورا.. السوسته اللي جوه.
فهمت إنه يقصد الشنطة بتاعته اللي كانت محطوطة على الكرسي جنبي. من غير ما ألف نظري، مديت إيدي وسحبت الشنطة وبدأت أتحرك لورا ناحية الشباك وأنا لسه واقفه قدام يحيى كأني بحميه.
لو سمحتوا اخرجوا بره، أنا هكلم المحامي بتاعي، قلتها بصوت عالي عشان الممرضين في الطرقة يسمعوا.
واحد منهم طلع جهاز لاسلكي وقال الحالة مش متعاونة، ابعتوا الدعم للدور الرابع.
في ثانية واحدة، استغليت إنهم باصين لبعض، سحبت يحيى من إيده وزقيت الترابيزة اللي عليها الأكل في وشهم، وطلعت أجري في الطرقة الجانبية اللي بتودي لمخزن المستلزمات. يحيى رغم إصابته كان بيجري معايا بكل قوته.
دخلنا المخزن وقفلنا الباب بالمفتاح من جوه. فتحت السوسته اللي يحيى قال لي عليها، لقيت فلاشة صغيرة مربوطة بخيط أسود، ومعاها مفتاح شقة قديم.
يحيى نهج وهو بيتكلم ماما قالت لي إن الفلاشة دي عليها كل حاجة.. وقالت لي إنك الوحيدة اللي هتعرفي توصلي للمكان اللي فيه المفتاح ده.
سمعت خبط رزيع على الباب وصوت الممرضة مريم وهي بتزعق افتحي يا نورا، أنتي كدة بتودي نفسك في داهية!
بصيت ليحيى وقلت له بتعرف تتسلق؟
بص لي باستغراب، شاورت له على ضلفة المنور الصغير اللي في سقف المخزن ده ممر التكييف، هيطلعنا لسطح المستشفى.
شلت يحيى رغم وزنه، وساعدته يطلع، وبعدين سحبت نفسي وراه والادرينالين كان مخلي جسمي حديد. وإحنا جوه الممر الضيق، سمعت صوت كسر الباب تحتنا وصوت الراجل وهو بيشتم بغل.
وصلنا للسطح، الهوا الساقع
خبط في وشنا. الدنيا كانت ضلمة تماماً، والمستشفى كانت
 

تم نسخ الرابط