لسان ناعم
أنا كنت عاملة زي "الهبلة"، كلمة توديني وكلمة تجيبني. كانت "سحر" أخت جوزي ترفع سماعة التليفون وبصوت كله رقة تقولي: "يا نورا يا حبيبتي، أنا ماليش غيرك، إنتي اللي نَفَسك في الأكل يفتح النفس، وعيالك وحشوني قوي.. ما تيجي تقضي اليوم معايا وأهو نونس بعض".
كنت ألبس وأنزل بشنطة هدومي وهدوم العيال، أروح ألاقي البيت "يضرب يقلب". سحر تستقبلني بالأحضان: "يا روحي تعبتك، معلش أصل ضهري واجعني شوية ومقدرتش أمد إيدي في حاجة، وإنتي ست الستات وهتخلصي كله في ثانية".
كنت أشمر إيدي، أنضف، وأمسح، وأطبخ أصناف وألوان، وهي قاعدة حاطة رجل على رجل، ماسكة الموبايل وبتقولي: "يا بخت "عمر" بيكي يا نورا، ده إنتي جوهرة.. تسلم إيدك يا قمر".
كنت أروح بيتي هلكانة، بس مبسوطة بكلامها.. لحد ما جه اليوم اللي وقع فيه القناع، وشوفت وشها الحقيقي اللي كان مستخبي وراء "يا حبيبتي" و"يا روحي".
كنت في مطبخها، بجهز عزومة كبيرة لأهل جوزها، وسمعتها في الصالة بتتكلم في التليفون، وصوتها اللي كان "ناعم" بقى زي السكينة:
ـ "أيوة يا ماما، نورا عندي أهو.. سايباها "تفرك" في المطبخ، أمال إيه؟ هي تلاقي حد يدلعها زيي؟ ده أنا بكلمتين حلوين بخليها تنضف لي السيراميك
أنا وقفت مكاني، المخرطة وقعت من إيدي.. "نورا اللي بكلمتين حلوين بتنضف السيراميك بضوافرها؟". حسيت بدمي بيغلي، وصدمة لجمت لساني. كملت كلامها وهي بتضحك بـ "مياعة":
ـ "ومتقلقيش يا ماما، أنا برسم قدام عمر إني بخاف عليها، بس من وراه بحشي ودنه بإنها "مسرفة" ومبتعرفش توفر في بيتها، عشان يفضل دايماً حاسس إني أنا اللي "البركة" وبتاعة الأصول وهي مجرد "شغالة" شاطرة لا أكتر ولا أقل."
خرجت من المطبخ، وشي كان زي الليمونة المصرورة من القهر.
أول ما شافتني، وشها رجع "ملاك" تاني:
ـ "إيه يا نورا يا حبيبتي؟ خلصتي؟ تسلم إيدك، اطلعي بقى ريحي واغسلي إيدك بالصابونة اللي جبتها لك مخصوص
بصيت لها وقلبي بيفور، بس المرة دي مكنش عياط.. كانت نيران وبترتب لحريقة. بلعت ريقي ورسمت ابتسامة باردة على وشي وقولت لها:
ـ "من عيوني يا سحر.. ده أنا هعملك عزومة النهاردة الناس كلها "تتحاكى" بيها، بس معلش يا حبيبتي، ادخلي أنتي ريحي ضهرك شوية عشان تعرفي تستقبلي الضيوف بضحكتك الحلوة دي، وسيبيني أنا "أفرك" براحتي في المطبخ.. مانا غاوية شقا بقى!"
سحر صدقت ودخلت
مسكت علبة الملح، وكبشت كبشة محترمة ورميتها في حلة المحشي اللي رصيتها بتعب.. وفي حلة اللحمة، فضيت نص إزازة خل، والشوربة اللي المفروض ريحتها تقلب الدنيا، حطيت فيها معلقتين شطة من النوع اللي يحرق الحجر، وقلبتهم بحقد.
أما الرز.. فده كان "الحلو" بتاع العزومة. زودت له المية لحد ما بقى "عجين"، وطفيت عليه النار وسيبته يعجن في بعضه. كنت بشتغل وأنا حاسة ببرد غريب، كأني بنتقم لكرامتي اللي اتهانت وراء الباب ده.
الوقت أزف، والجرس رن.. دخل "عمر" جوزي، وأهله، وأهل سحر. سحر طلعت من الأوضة زي "الهانم"، لابسة وشياكة وريحة بارفانها سابقة خطوتها، وبدأت توزع الابتسامات:
ـ "نورتونا يا جماعة.. والله أنا تعبت النهاردة جداً في المطبخ مع نورا، بس كله يهون عشان خاطركم، يا رب الأكل يعجبكم."
قعدوا على السفرة، وأنا كنت واقفة بعيد، مراقبة المشهد بدم بارد.
أول ما حمايا خد معلقة الشوربة، وشه قلب ألوان، وبدأ يكح لدرجة إن عينه دمعت:
ـ "إيه ده؟ دي مية نار مش شوربة! دي تحرق المصارين!
عمر بص لي باستغراب وخد حتة لحمة، أول ما داقها طلعها من بؤه فوراً:
ـ "إيه القرف ده يا سحر؟ اللحمة طعمها خل صافي ومملحة زي البحر! والرز.. إيه العجين ده؟ هو إيه اللي حصل في المطبخ النهاردة؟"
سحر وشها بقى زي الأموات، بصت لي برعب وهي بتقول بلجلجة:
ـ "والله يا عمر.. أنا.. أنا كنت مع نورا خطوة بخطوة.. نورا هي اللي.."
قطعت كلامها ببرود وقولت قدامهم كلهم:
ـ "معلش يا عمر، أصل سحر حبيبتي كانت "تعبانة" النهاردة وقاعدة مريحة، وأنا اللي عملت كل حاجة بكلمتينها الحلوين.. بس الظاهر "الشغالة" الشاطرة اللي بتنضف السيراميك بضوافرها، إيدها خفت النهاردة وما عرفتش تظبط الملح.. مش أنتي قولتي يا سحر إني غاوية شقا؟ أهو الشقا بان على الأكل أهو!"
عمر بص لها وبص لي، وفهم من نظرتي إن فيه حاجة اتكسرت ومستحيل تتصلح. سحر كانت واقفة وسط الضيوف اللي بيوشوشوا بعض، ووشها في الأرض من الكسوف، واللقمة اللي كانت فاكرة إنها هتذلني بيها، وقفت في زورها هي وفضحتها قدام الكل.
خرجت من البيت وأنا راسي مرفوعة، مسبتش لها فرصة تنطق حرف. نزلت الشارع، وبصيت للسما وقولت: "اللي يستقل بالناس عشان طيبين، يلبس في الحيط وهو فاكر نفسه طاير.. والدرس ده يا سحر،
تمت