اتبرعت بكليتي
أنا اتبرعت بكليتي الشمال لأبويا… وقعدت 9 أسابيع مكسّرة من التعب والألم. وفي عزومة عائلية، أمي رفعت الكاس وقالت عن أختي: "هي اللي أنقذت حياة أبوها". ولا حد بصلي… لحد ما أبويا مسك إيدي من تحت الترابيزة واداني منديل.
"اللي بجد أنقذت أبوكي هي أختك"، قالتها أمي قدام أكتر من عشرين واحد من العيلة، وأنا الجرح في جنبي الشمال لسه بيوجعني تحت فستان بسيط لبساه بالعافية.
كان آخر شهر نوفمبر، بعد 9 أسابيع بالظبط من العملية اللي شالوا فيها كليتي عشان يزرعوها لأبويا. كنا قاعدين في قاعة شيك، كله نضيف ومرتب، كاسات إزاز فخمة وأكل غالي… وترابيزة طويلة كأنها بتجسد المسافة اللي دايمًا كانت بيني وبينهم.
"نخب سارة"، قالت أمي وهي رافعة الكاس. "عشان مجهودها، وحملتها، وإصرارها لحد ما أنقذت حياة أبوها".
الكل سقف. الكل ابتسم. ولا حد حتى بص ناحيتي.
أنا اسمي مي، عندي 31 سنة، وبشتغل في جمعية بتساعد الطلبة ياخدوا منح دراسية. عايشة في شقة صغيرة، وبعد العملية غرقت في ديون مش عارفة هطلع منها إزاي. أنا دايمًا كنت البنت اللي محدش شايفها في العيلة. أختي الكبيرة سارة كانت العكس تمامًا… البنت المثالية، المدللة، وبتشتغل مع أبويا في شركته.
عشان كده كنت بطلت أروح تجمعاتهم. بس في شهر 7، أبويا وقع مرة واحدة في احتفال الشركة… وكل حاجة اتغيرت. أصلًا ماكنتش معزومة. عرفت من ابن خالتي: "أبوكي في
روحت المستشفى وأنا لسه بلبس هدومي بسرعة. أمي أول ما شافتني قالت ببرود: "الكُلى بايظة… ولو مالقاش متبرع بسرعة، خلاص".
دخلت له الأوضة، كان متوصل بأجهزة كتير. مسك إيدي وقال حاجة كسرتني: "أمك قالت إنك مش عايزة تدخلي في الموضوع".
تاني يوم عملت التحاليل. بعد أسبوع قالولي: أنا مناسبة جدًا للتبرع.
لما قلتلهم، سارة قالت إنها كانت ناوية تبدأ دراسات مهمة، وأمي حتى ما حاولتش تخبي استهزاءها. قالت قدام الكل: "مي مش بتستحمل حاجة صعبة… أكيد هتتراجع".
بس أنا ما تراجعتش.
حضّرت نفسي لوحدي. وأنا بوقّع على الأوراق وبستعد للعملية، كانت سارة عاملة حملة على السوشيال ميديا عن "أمراض الكُلى" وصورتها في كل حتة. يوم العملية، أمي قالتلي "ربنا معاكي" وهي باصة في الساعة، وسارة قالتلي "أنتي شجاعة" وهي ماسكة الموبايل.
فوقت من البنج على ألم صعب جدًا… وكنت لوحدي. ممرضة همستلي: "أمك وأختك عارفين إنك فوقتي… بس قاعدين مع أبوكي من بدري".
في نص الليل، أبويا جه لحد عندي على كرسي متحرك. كان بيعيط. مسك إيدي وقال بصوت مكسور: "أنا شايفك يا مي… ووعد مني هصلّح كل حاجة".
وقتها صدقته.
لكن بعد 9 أسابيع، في العزومة دي، أمي كانت لسه حالًا مديّة كل الفضل لسارة قدام الناس.
قمت عشان أمشي… وفجأة أبويا مسك إيدي من تحت الترابيزة، وحط في إيدي منديل متني.
ماكنتش متخيلة إيه اللي هيحصل بعد
فتحت المنديل ببطء تحت الترابيزة، وقلبي بيدق بجنون. توقعت ألاقي شيك بمبلغ كبير، أو كلمة "شكراً" متأخرة.. لكن اللي لقيته كان أغرب بكتير.
كان مفتاح فضي صغير، ومعاه ورقة مكتوب فيها بخط إيد أبويا المهزوز: "المنديل مش بس عشان دموعك يا مي.. المنديل ده فيه سر الشركة اللي سارة وأمك بيحاولوا يسرقوها. اطلعي دلوقتي من غير ما حد يحس، وروحي المكتب القديم.. افتحي الدرج السري. أنا أمنت مستقبلك يا بنتي، زي ما أنتي أمنتي حياتي."
في اللحظة دي، سارة كانت لسه بتضحك وبتاخد صور "سيلفي" مع العيلة وهي ماسكة الكأس. قمت بهدوء، ساندة جنبي اللي بيوجعني، وانسحبت من القاعة.
رحت المكتب القديم، وبإيد بتترعش فتحت الدرج السري بالمفتاح الصغير. لقيت ملف أسود مكتوب عليه: "تنازل ووصية واجبة".
فتحت الملف واتصدمت.. أبويا ما كنش مريض بالصدفة. لقيت تقارير طبية "مخفية" بتقول إن الأدوية اللي كان بياخدها قبل الأزمة كانت "غلط" ومقصودة عشان توصله لفشل كلوي سريع! وتحت التقارير، كان فيه عقد بيع وشراء وتنازل عن 60% من أسهم الشركة لاسم "مي"، بتاريخ قديم.. من قبل العملية بشهر.
فجأة، سمعت صوت كعب عالي بيقرب من الباب.. وصوت أمي الحاد: "كنت عارفة إنك هتيجي هنا.. فاكرة إن المفتاح ده هيخليكي تاخدي كل حاجة؟"
دخلت أمي ومعاها سارة، والوشوش الملائكية اللي كانت في العزومة اختفت تماماً. سارة قالت
ضحكت بوجع وقفت بكل طولي رغم ألم الجرح، وقلت لها: "الورق ده مش بس بيثبت حقي في الشركة.. ده بيثبت إنك أنتي وهي كنتوا بتموتوه بالبطيء عشان الورث. والنسخة الأصلية من التقارير دي بقت مع المحامي بتاعي دلوقتي."
في اللحظة دي، تليفون أمي رن.. كان مكالمة فيديو. فتحت الخط وهي مرعوبة، وظهرت صورة أبويا من المستشفى (اللي رجع له فوراً بعد العزومة كتمويه). كان قاعد بكامل صحته، وجنبه ظابط شرطة.
أبويا قال بصوت قوي لأول مرة من شهور: "أنا مكنتش نايم يا هدى.. أنا كنت مراقب كل فنجان قهوة كنتي بتقدميهولي، وعارف إن مي هي الوحيدة اللي ضحت بجد من غير فيديو على تيك توك ولا حملات دعاية. أنا اللي بعتها للمكتب عشان أكشفكم لنفسكم."
النهاية مكنتش مجرد انتقام..
أمي وسارة خسروا كل حاجة، والشركة بقت تحت إدارة مي. مي مبعتش الشركة ولا سابتها، لكن حولت جزء كبير من أرباحها لمركز متخصص لزراعة الأعضاء بالمجان، وسّمته "مركز الحياة".
أما المنديل اللي أبويا اداهولها؟ مي بروزته وعلقته في مكتبها.. مش عشان يذكرها بوجع الجرح، لكن عشان يذكرها إن "الحقيقة ممكن تتأخر، بس دايماً بتعرف طريقها للنور".
أبويا عاش بطلية "مي" التانية، ومي عاشت وهي عارفة إنها مش "البنت المنسية"