المليونير رجع بيته قبل ميعاده بأسبوعين
المليونير رجع بيته قبل ميعاده بأسبوعين وهو راسم في خياله استقبال كله حضن ودموع فرحة، لكن اللي شافه كان صدمة؛ بنته اللي عندها تمانية سنين بتجر أكياس زبالة في الجنينة وفستانها مقطوع ومتبهدل، ومراته قاعدة فوق في التراست بتشرب عصير وبتضحك وهي بتقول إنها حولت البنت لخدامة. لما البنت همست بوجع: "أرجوك يا بابا متبقاش زعلان من نيرمين"، في اللحظة دي في حاجة جوه قلبه اتكسرت للأبد.
"بابا؟ أنت جيت بدري!"
"مفتكش تشوفني بالمنظر ده."
صوت "سارة" وهي بتترعش قطع قلب "رأفت الشاذلي". رأفت واحد من أكبر رجال الأعمال في العقارات، وإمبراطوريته بتسوى أكتر من 400 مليون دولار. الساعة كانت 3 الظهر يوم الثلاث 19 نوفمبر. كان المفروض يفضل في شرم الشيخ بيخلص مشروع فنادق، بس الشغل خلص بدري وقرر يرجع من غير ما يقول لحد عشان يعمل مفاجأة لعيلته.
بس المنظر اللي شافه في الجنينة خلاه مش قادر ينطق.
سارة، البنت الصغيرة، كانت بتعافر عشان تجر كيسين زبالة كبار وتقال جداً عليها. الفستان البمبي اللي كان جايبهولها قبل ما يسافر كان متقطع من تحت ومتبهدل طينة وبقايا أكل تقرف. جزمتها البيضا ضاعت وسط الوحل، وشعرها اللي كان دايمًا متسرح ومرتب كان منكوش وموسخ.
بس كل ده كوم، والنظرة اللي في عينيها كوم تاني. مكنتش زعلانة، كان باين عليها إنها اتعودت على كدة، وده اللي وجع قلبه بجد.
فوق في التراست، كانت "نيرمين" -مراته اللي متجوزها من ست شهور بس- ممدة على الكرسي وماسكة كاس في إيدها وبتضحك وهي بتكلم حد
رأفت سمعها بتقول: "بقولك الموضوع طلع سهل أوي، أنا مخلياها شغالة زي الخدامة وأبوها المغفل ميعرفش حاجة، وهي أصلاً خايفة تفتح بوقها بكلمة."
رأفت حَس بنار قايدة جواه، بس ضغط على نفسه وفضل مكانه.. كان عايز يشوف آخره اللعبة دي إيه. وقف ورا الشجر وراقب اللي بيحصل.
سارة كانت بتحاول توصل الأكياس لصناديق الزبالة اللي في جنب البيت، وكل كام خطوة تقف عشان تاخد نفسها من كتر التقل. نيرمين زعقت فيها من فوق: "يا سارة! قولتلك تخلصي من ساعة، خلصي إنجزي!"
سارة ردت بصوت واطي ومكسور: "أنا آسفة يا طنط نيرمين، بس الأكياس تقيلة أوي."
ردت عليها ببرود: "وايه يعني؟ أنا لما كنت في سنك كنت بشتغل أكتر من كدة، بلاش دلع وما تطلعيش ضعيفة."
"بس أنا لسه عندي تمانية سنين!"
"بالظبط، كبرتي خلاص، يلا خلصي بدل ما أديكي شغل زيادة."
سارة كملت وهي الدموع بتلمع في عينيها، وهنا رأفت لمح إيديها؛ كانت محمرة ومجرحة، جروح شغل وتعب مش لعب أطفال. لما وصلت للصناديق حاولت ترفع الكيس عشان ترميه، بس فلت منها واتقطع، والزبالة كلها وقعت على الأرض.
"لأ.. لأ.. لأ.." سارة بدأت تلم الزبالة بإيديها وهي مرعوبة.
رأفت ملقدرش يستنى ثانية كمان، طلع من ورا الشجر وراح ناحيتها: "سارة!"
البنت اتسمرت مكانها، لفت وشها وبصتله بصدمة: "بابا؟ بجد أنت؟"
"أيوه يا أميرتي، ده أنا."
بصت بخوف ناحية التراست مكان ما نيرمين قاعدة ولسه مشافتش رأفت، وبعدين بصت لباباها وللبسها المتبهدل وقالت: "أرجوك
"أرجوك يا بابا… متبقاش زعلان من نيرمين."
الجملة نزلت على قلب رأفت زي سكينة باردة. ركع قدام سارة بسرعة، مسك إيديها الصغيرة المتجرحة وبص فيها بذهول:
"مين اللي عمل فيكي كده يا حبيبتي؟"
سارة سحبت إيديها بخوف، وهزت راسها:
"مفيش… أنا وقعت بس… والله يا بابا."
بس عيونها كانت بتفضحها… الخوف اللي فيها أكبر من سنها بكتير.
في اللحظة دي، صوت نيرمين جه من فوق:
"في إيه الزعيق ده؟ خلصتي الزبالة ولا لسه—"
وسكتت فجأة… أول ما شافت رأفت واقف تحت.
وشها اتغير في ثانية، من برود وضحك لصدمة متوترة، وبعدين بسرعة حاولت تبتسم:
"رأفت! إنت جيت بدري؟! يا حبيبي كنت هتقولنا!"
رأفت وقف ببطء، ملامحه هادية بشكل مرعب، وقال بصوت واطي:
"انزلي يا نيرمين."
نزلت بسرعة وهي بتحاول تمثل الهدوء:
"طب ما تيجي نطلع نتكلم فوق، أكيد تعبان من السفر—"
قاطعها وهو بيشاور على الأرض:
"إيه ده؟"
بصت على الزبالة المرمية وسارة اللي واقفة ورا ضهره، وقالت ببرود:
"البنت دي دلعها زايد، بحاول أعلمها تعتمد على نفسها شوية، مش أكتر."
رأفت قرب خطوة، صوته بقى أخطر:
"تعتمد على نفسها؟ ولا تشتغل خدامة؟"
نيرمين حاولت تضحك:
"يا رأفت كبر الموضوع ليه؟ دي تربية بس—"
"سمعتك."
الجملة خرجت حادة… قاطعة.
نيرمين سكتت، ووشها بدأ يبهت.
رأفت كمل وهو بيبصلها في عينيها:
"سمعت كل كلمة قلتيها… من أول (مخلياها خدامة)… لحد (أبوها المغفل)."
الصمت وقع تقيل…
سارة مسكت في هدومه بخوف:
"بابا خلاص… أنا كويسة… بجد."
رأفت
"إنتي مش بس كويسة… إنتي أهم حاجة عندي في الدنيا كلها."
بعدين وقف فجأة، وبص لنيرمين:
"خمس دقايق."
"يعني إيه؟"
"خمس دقايق تكوني فيها بره البيت ده… غير كده هتخرجي بطريقة مش هتعجبك."
نيرمين اتوترت:
"إنت بتهزر؟ ده أنا مراتك!"
"كنتِ."
الكلمة وقعت زي الرصاص.
"واللي عملتيه في بنتي… مفيش حاجة في الدنيا تمحيه."
بدأت تتعصب:
"أنت مكبر الموضوع! دي بنتك ضعيفة وأنا كنت بربيها—"
"بالعنف؟ بالإهانة؟ بالجوع؟!"
سكتت… لأنها عارفة إنه شاف كل حاجة.
رأفت نادى على الأمن:
"أي حد في البيت يخلي مدام نيرمين تاخد حاجتها وتمشي… حالاً."
نيرمين حاولت تقرب منه:
"رأفت اسمعني—"
بس هو لف وشه بعيد، كأنها بقت ولا حاجة.
سارة كانت بتبص لكل ده بعيون مليانة دموع… بس لأول مرة، دموعها فيها راحة.
حضنها بقوة وقال:
"حقك عليا يا بنتي… سامحيني إني سيبتك لوحدك."
سارة همست وهي بتستخبى في حضنه:
"أنا كنت مستنياك ترجع."
رأفت غمض عينيه، وقلبه بيتوجع:
"وأنا رجعت… ومش همشي تاني."
بعد ساعة…
البيت اتنضف، الزبالة اتشالت، وسارة أخدت شاور ولبست هدوم نظيفة.
رأفت كان قاعد جنبها، بيحط مرهم على إيديها بحذر.
قالها بهدوء:
"من النهاردة… مفيش حد يزعلك. لا في البيت ده… ولا بره."
سارة ابتسمت لأول مرة:
"حتى طنط نيرمين؟"
ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها حزن:
"طنط نيرمين دي بقت حكاية قديمة."
وبص لها بحب صافي:
"بس إنتي… إنتي حياتي كلها."
سارة حضنته وقالت:
"بحبك يا بابا."
رد وهو
"وأنا بعشقك يا قلبي."
وفي اللحظة دي…
رأفت الشاذلي ما بقاش مجرد مليونير…
بقى أب رجع في الوقت الصح… قبل ما يخسر أغلى حاجة عنده.