من ساعة ما أمي عاشت معانا في الفيلا

لمحة نيوز

من اللحظة اللي فتح فيها ياسين باب القصر بعنف، كان واضح إن الليلة دي مش شبه أي ليلة عدت قبل كده، صافي كانت لسه قاعدة وسط صحابها بتضحك بصوت عالي وهي مش واخدة بالها من العاصفة اللي داخلة عليها، لكن الضحك وقف فجأة لما شافته واقف قدامها بعينين مليانين غضب عمرها ما شافته قبل كده، سكت المكان كله كأن الزمن وقف، وهو مشي بخطوات تقيلة لحد ما وصل لأمه اللي كانت واقفة مرعوبة ومش فاهمة إيه اللي بيحصل، شالها بين إيديه بحنية، وبص لها وقال بصوت مكسور “أنا آسف يا أمي”، الكلمة دي كانت كفيلة تخلي قلب أي حد يتقطع، وبعدين لف ناحية صافي، كانت بتحاول تتكلم وتبرر وتضحك كعادتها، لكن المرة دي صوتها كان مهزوز، قالها بهدوء أخطر من الصراخ “إنتي كنتي بتعملي إيه؟”، حاولت تنكر وتقول إنها مجرد هزار وإن أمه هي اللي طلبت كده، لكن قبل ما تكمل، ضغط على الموبايل وشغل التسجيلات من كاميرات المراقبة قدام الكل، فجأة وشوش الحاضرين اتغيرت، والضحك اتحول لصدمة، وصافي اتجمدت وهي شايفة نفسها على الشاشة بتعمل اللي محدش يصدق إن إنسانة ممكن تعمله، ركعت قدامه وهي بتبكي وبتحاول تمسك في رجله، لكنه زقها بعيد لأول مرة في حياته، وقال بصوت حاسم “انتي انتهيتي”، وفي اللحظة دي أمر الحرس يطلعوها برا القصر قدام صحابها من غير حتى ما تاخد حاجة، وفعلاً خرجت وهي بتصرخ وتترجاه لكنه ما بصش وراها، وبعد ما القصر هدي، أخد أمه على جناحه اللي كان مجهزه ليها فعلاً، وقعد جنبها وهو بيحاول يحتويها،

لكنها كانت ساكتة شوية وبعدين قالت له بصوت ضعيف “أنا كنت عارفة يا ابني”، اتفاجأ وسألها إزاي، فقالت له إنها من أول يوم حسّت إن صافي مش طايقاها، وإنها كانت بتستحمل عشان هو يعيش مبسوط، وما تحبش تهد بيته بإيدها، الكلام ده كسر قلبه أكتر، حس بالذنب إنه صدق غيرها وساب أمه في إيد واحدة قاسية، ومن اليوم ده قرر يعوضها عن كل لحظة ألم عاشتها، الأيام عدت وهو بقى يقضي وقت أطول معاها، يهتم بأكلها وعلاجها بنفسه، ويرجع يضحك معاها زي زمان، أما صافي حاولت ترجع بكل الطرق، مرة بالاعتذار، ومرة بالضغط عن طريق معارف، ومرة حتى بالكذب، لكن ياسين كان خلاص شاف حقيقتها، وقرر يكمل حياته من غيرها، وبعد شهور رفع قضية طلاق وأنهى كل حاجة بينها وبينه، وبدأ صفحة جديدة أساسها الوحيد هو أمه، الست اللي وقفت جنبه من وهو ولا حاجة لحد ما بقى “ياسين بيه”، ومع الوقت صحتها اتحسنت، ووشها رجع ينور تاني، وبقى القصر فعلاً بيت، مش مجرد مكان كبير، وياسين اتعلم درس عمره ما هينساه إن أقرب الناس ممكن يكونوا أخطرهم، وإن اللي يستاهل الثقة بجد هو اللي وقف معاه وهو في أضعف حالاته، مش اللي شاركه نجاحه بس، ومن ساعتها وهو بيحافظ على أمه كأنها كنزه الحقيقي، لأنه أخيراً فهم إن كل الفلوس والقصور ملهاش أي قيمة لو الإنسان خسر اللي ضحى عشانه بكل حاجة.

لكن الحكاية ما خلصتش عند طرد صافي ولا حتى عند طلاقها، لأن اللي حصل ساب جرح أعمق جوه ياسين، جرح اسمه “إزاي ما خدتش بالي؟”، السؤال ده

كان بيصحيه من النوم ويخليه يبص لنفسه في المراية وكأنه بيحاسبها، وعلشان كده قرر يعمل حاجة مختلفة، مش بس يعوض أمه، لكن كمان يصلّح الجزء اللي انكسر جواه، بدأ الأول بأمه، جاب لها دكاترة متخصصين، ونظام أكل متكامل، وممرضة تراعيها، لكن الأهم من كل ده إنه بقى هو بنفسه يقعد معاها بالساعات، يسمع حكاياتها القديمة، يضحك على ذكرياته وهو صغير، وكان كل يوم بيشوفها بترجع واحدة واحدة للحياة، لحد ما في يوم قالت له وهي بتبتسم: “أنا رجعت يا ابني”، الجملة دي كانت بالنسبة له أغلى من كل صفقاته.

لكن في نفس الوقت، كان فيه ملف مفتوح لازم يتقفل… ملف صافي، لأنها ما استسلمتش، بالعكس، بدأت تحاول تضربه من تحت لتحت، نشرت إشاعات وسط رجال الأعمال إنه قاسي وطرد مراته من غير سبب، وحاولت تأثر على سمعته، وفعلاً لفترة بسيطة، بعض الناس بدأوا يتكلموا، لكن ياسين كان أهدى من إنه يرد بانفعال، جمع كل الأدلة اللي عنده، وسجل القضية مش بس طلاق، لكن كمان تشهير وإساءة معاملة، ولما الموضوع وصل للمحكمة، المفاجأة كانت إن صافي نفسها انهارت قدام القاضي لما اتعرضت التسجيلات، وما قدرتش تنكر، وحكمت المحكمة لصالح ياسين، واتقفلت الصفحة دي رسمي.

الغريب بقى إن بعد كل ده، جاله عرض شراكة كبير من واحدة ست اسمها “ليلى”، سيدة أعمال معروفة، لكن كانت مختلفة، هادية، وبتتكلم بعقل، مش بمظاهر، في الأول كان رافض يدخل أي علاقة جديدة، حتى لو شغل، لكن مع الوقت لاحظ إنها بتعامله باحترام، والأهم

إنها أول ما عرفت حكاية أمه، طلبت تزورها، ويوم ما دخلت القصر، أول حاجة عملتها إنها سلمت على الحاجة كريمة بإيدها وباست رأسها، ومن غير مبالغة ولا تمثيل، التصرف ده هز حاجة جوه ياسين، حاجة كان فاكرها ماتت.

الأيام عدت، والشراكة نجحت، والعلاقة بينهم كبرت، بس المرة دي ياسين كان بيتعلم، ما بقاش يندفع، ولا يثق بسرعة، كان بيبص للأفعال مش الكلام، والحاجة كريمة كانت بتراقب من بعيد، لحد ما في يوم قالت له: “دي بنت أصول يا ياسين… بس المرة دي افتح عينك وقلبك مع بعض”، ابتسم وقال لها: “المرة دي أنا اتعلمت يا أمي”.

ومع مرور الوقت، القصر اللي كان شاهد على أسوأ لحظة في حياته، بقى شاهد على بداية جديدة، بداية فيها نضج وقوة، وأهم من كل ده، فيها وفاء حقيقي، وياسين بقى يحكي قصته لأي حد قريب منه، مش علشان يبان قوي، لكن علشان يفكر نفسه دايمًا إن الغلطة اللي بتتساب من غير ما نتعلم منها، بتتكرر، وإن أغلى حاجة ممكن يملكها الإنسان مش الفلوس ولا النفوذ… لكن الناس اللي بتحبه بصدق.

وفي ليلة هادية، كان قاعد جنب أمه في الجنينة، مسك إيدها وقال لها: “أنا كنت هخسرك يا أمي… بس ربنا نجاني”، ردت عليه بابتسامة فيها رضا وقالت: “اللي بيني وبينك عمره ما يضيع يا ابني… بس خلي بالك، مش كل اللي يضحكلك بيحبك، ولا كل اللي يحبك يعرف يضحكلك”، ضحك ياسين وقال: “المرة دي فهمت الدرس كويس”، وبص للسما وهو حاسس براحة عمره ما حسها قبل كده، لأنه أخيراً بقى عنده كل حاجة… وأهمهم

راحة ضميره.

تم نسخ الرابط