وجبة أخيرة
الدم مكنش أكتر حاجة رعبت ليلى الصبح.. الرعب الحقيقي كان في الهدوء.
الهدوء اللي في إيديها وهي بترص السفرة للراجل اللي لسه رزع وشها في باب التلاجة من كام ساعة بس.
ريحة القهوة كانت مالية المطبخ في بيتهم الشيك في التجمع، بس ليلى مكنتش حاسة بحاجة.. كأن الضربة مورتش وشها بس، دي موتت جواها أي قدرة على الخوف.. خدرت روحها تماماً.
كانت لابسة فستان أسود بسيط.
مش للمنظرة.. ولا عشان يلفت النظر.
أسود تقيل.. كأنه سترة حداد.
سلسلة دهب رقيقة فيها ما شاء الله كانت ساندة على صدرها، ملمسها بارد وثابت، كأنها بتفكرها إنها لسه هنا.. لسه بتتنفس.. لسه عايشة.
قدامها، طارق كان بياكل الفطير والعسل ببرود، وكأنه صباح يوم جمعة عادي، مش أول شروق شمس بعد ليلة فيها صريخ، وريحة ويسكي، وإزاز مكسور، وسكوت مرعب بيجي دايماً بعد العنف.
كل ما ليلى تحرك بؤها، الوجع بيسمع من دقنها لحد ودنها.
ملمستش طبقها.
فضلت ترص الفاكهة.. تصبله القهوة بظبطة إيده.. تحط الأطباق الغالية اللي مبيحبش يطلّعها غير لما يكون فيه حد مهم هيشوفها.
كانت بتتنفس ببطء، وبتحاول بكل قوتها إن رعشة إيدها متظهرش.
هو حتى مبصش في وشها.
بيمضغ..
يبلع..
ويمسح بؤه بمنديل قماش شيك.
كان لابس قناع الغرور اللي العالم كله مخدوع فيه.. النسخة اللي بيظهر بيها في المستشفى، في حفلات الخير، قدام زمايله، قدام أي حد بيبهرهم اللقب اللي قبل اسمه
دكتور طارق علام.
رئيس قسم الجراحة في أكبر مستشفى خاص في مصر.
الراجل المحترم.. المخلص.. اللي لبسه مخرش المية.
النوع اللي الناس بتديله أمانها من أول كلمة.
محدش شاف المسخ اللي بيظهر
ليلى بس اللي شافته.
وچنا كمان شافته امبارح.
چنا كانت واقفة في نص الطرقة بشراباتها، متجمدة في الضلمة، عينيها كانت واسعة لدرجة خلت ليلى تحس إن بنتها كبرت عشر سنين في عشر ثواني.
طارق قطع حتة فطيرة بشوكته وابتسم ابتسامة باهتة
أهو كدة.. أخيراً عرفتي تمشي على العجين ملخبطيهوش.
ليلى نزلت عينيها للبيض اللي زودت ملحه قصد.
نبضها كان بيدق في زورها.
اللي كانت حاسة بيه مكنش شجاعة.. لسه..
كان رعب، أيوه.. بس تحته كان فيه حاجة تانية بدأت تظهر.
حاجة أحدّ.. وأقوى.
بقالها شهور بتداري الكدمات ب الميك أب قبل ما تنزل تشتري طلبات البيت.
بتقول وقعت.. خبطت في الباب.. صداع نصفي.. إرهاق.
بترسم الابتسامة في عزومات العيلة وهو ضاغط على ركبتها تحت التربيزة ب غل، عشان يفكرها دايماً مين السيد ومين الجارية.
بس الصبح ده، هي مكنتش بتعمله فطار اعتذار.
هي كانت بتبني مسرح.
قالت بصوت واطي وهادي أنا عزمت ناس هنا الصبح.
طارق رفع عينه باستنكار وضيق
في الساعة دي؟ إنتي اتجننتي يا ليلى؟
ملحقش يكمل الكلمة.
ليلى دوست على جرس فضة صغير كانت حطاه جنب الفاكهة.
رنة الجرس قطعت هدوء البيت زي طلقة الرصاص.
وبعد ثانية، سمعوا صوت مفتاح بيفتح باب الشقة.
طارق كشّر وزق الكرسي لورا
إيه المسخرة دي؟ مين اللي بيفتح الباب؟
ليلى لفت رقبتها براحة عشان تشوف أول حد دخل الصالة.
أخوها ياسين.
ببدلة ضابط الشرطة.. فكه مشدود.. وعينيه شايلة الحقيقة كلها.
ووراه دخلت نورا المحامية، وهي حضنة ملف تقيل في إيدها وفلاشة صغيرة.
وجنبهم الحاجة فاطمة، اللي جاية بوقار السنين، ووشها بيقول
المشهد كان سريالي..
المطبخ اللي بيلمع..
سفرة الفطار..
المعتدي الشيك..
الشهود..
والتوقيت.
للحظة، طارق حاول يرجع لوشه الرسمي
ياسين؟ قالها بتمثيل متقن.. يا أهلاً.. مفاجأة والله.. اتفضل، تشرب قهوة؟
ياسين مابصش حتى للسفرة
أنا مش جاي أفطر.
ليلى حست بركبها بتسيب، بس متحركتش.
حطت كفوف إيدها مفرودة على المفرش، وقالت الجملة اللي فضلت تحفظها في سرها أيام.. الجملة اللي هتقسم حياتها نصين قبل و بعد.
جم عشان ياخدوني يا طارق.
طارق ضحك ضحكة قصيرة.. عصبية.. وصفرا
يا سلام.. بدأنا بقى جو الدراما والتمثيل بتاعك؟
ليلى بصتله في عينه لأول مرة الصبح ده.
الناحية الشمال من وشها كانت وارمة. اللون البنفسجي بدأ يظهر تحت طبقة الميك أب اللي مكملتهاش. شفتها كانت مقطوعة.. ودقنها بتوجعها.
بس مدمعتش.
مصوتتش.
تكلمت بثبات غريب، ثبات طالع من نفس المكان اللي كان الخوف ساكن فيه طول السنين دي.
إنت امبارح رزعت وشي في التلاجة.
نورا المحامية قربت وفتحت الملف.
وبدأت ترص الورق على السفرة زي ما يكون طقس ديني
صور من المستشفى..
تقارير طبية..
كشف حساب بنكي..
تحويلات لست في المنصورة..
سكرين شوتس لرسائل تهديد..
ونسخ من محاضر قديمة ليلى كانت مخبياها.
وفي الآخر، حطت الفلاشة.
اللي عليها الفيديو.
ليلى كملت ودي مش أول مرة.
وش طارق اتخطف.
الثبات وقع الأول.
بعده الغرور.
وفي الآخر السيطرة.
زعق بهستيريا إنتي مريضة! إنتي بتعملي كل ده عشان تدمريني!
الحاجة فاطمة ردت بهدوء زي الصخر
الحقيقة ميتزعلش منها يا دكتور.. إنت اللي دمرتها الأول.
لثواني، طارق بص لليلى
نظرة الوعيد.
السكوت اللي وراه عاصفة.
الأمر المباشر إنها تتلم وتتراجع.
بس هي متراجعتش.
ولا سنتي.
چنا شافتك، ليلى قالتها بقوة. چنا سمعت كل حاجة.. وأنا مش هغطي عليك تاني.
السكوت اللي ساد المكان كان تقيل.. نهائي.
ياسين ساب الحيطة وقرب من طارق ببرود الأخ اللي ياما اتخيل اللحظة دي.. وبحزم الضابط اللي عرف خلاص هو بيتعامل مع مين
محتاجك تيجي معايا.. عشان فيه حاجات كتير محتاجين نوضحها.
طارق قام فجأة لدرجة إن الكرسي اتنطر لورا
محدش يقدر يعمل معايا كدة في بيتي!
فجأة.. صوت رنة تليفون قطعت كل حاجة.
الكل بص ناحية الطرقة.
تليفون طارق كان بينور بإشعار ليلى عرفته في لحظة
تم تفعيل كاميرا المكتب
دمها هرب من عروقها.
لأن مفيش أي سبب يخلي الكاميرا دي تشتغل لوحدها.
وفي اللحظة دي، والتليفون لسه بيتهز والكل ساكت، ليلى فهمت حاجة خلت نفسها ينقطع
فيه حد تاني كان بيسجل كل اللي بيحصل جوه البيت طول الليل.. وحد تاني خالص هو اللي فتح الكاميرا دلوقتي.
توقف الزمن في المطبخ الأنيق. الرنين المستمر لتليفون طارق كان يبدو صاخبًا بشكل غير محتمل في وسط هذا الصمت القاتل. تم تفعيل كاميرا المكتب. الكلمات الثلاث كانت تلمع على الشاشة السوداء، كأنها حكم بالإعدام على كل الأكاذيب التي عاشوا فيها لسنوات.
ياسين، الذي لم يتحرك شبرًا، كان ينظر للتليفون بعينين صقرتين، ثم نقل نظره لطارق. طارق نفسه بدا كأنه فقد القدرة على النطق؛ شحوب وجهه كان مرعبًا، وعيناه كانتا تزوغان بين ليلى والتليفون، وكأنه يحاول فك شفرة لغز لم يكن هو من كتبه.
أخيرًا،