انتقام بدم بارد
مرات ابني قعدت تلات سنين بتعاملني كأني حمل تقيل وست غلبانة "على الحديدة".. كانت بتقدم لي الأكل في أطباق ورق، وتنيمني على كنبة قديمة بتزيق، وتوشوش الكل عن "مصاريفي" اللي كاسرة ضهرهم. لحد ما في يوم، وإحنا في رحلة عائلية، سمعتها بتزعق لحفيدي وبتقوله إني مش جدته الحقيقية.. ساعتها ابتسمت، لأن اللحظة اللي مستنياها جت. وعلى العشا، كشفت عن الورثة لثروتي السرية اللي قيمتها 52 مليون دولار.. ولما قلت مين اللي هيورث كل مليم، وقعت من طولها.
أنا "لورنا"، وعندي 70 سنة، وكنت فاكرة إني شفت كل أنواع الإهانة في حياتي.. بس طلعت غلطانة.
"هي مش جدتك الحقيقية."
الكلمات دي نزلت عليا زي السكينة، وجعها كان أصعب من أي جرح في الجسم. كنت قاعدة في "براندة" الكوخ اللي مأجرينه وسط الجبال، بتفرج على حفيدي "لانس" وهو بيلعب بعربياته، والجو كان هادي وجميل.. لحد ما صوت "ليرا" الحاد قطع السكون ده. لانس رفع راسه باستغراب وقال: "قصدك إيه يا ماما؟"
ليرا كانت واقفة ببرود وحاطة إيدها في وسطها، وكانت شاربة نبيذ طول الظهر خلى لسانها يفك وتقول اللي في قلبها من غير حساب: "قصدي إنها أم أبوك وبس يا حبيبي، مش عيلة بجد زينا.. هي هنا بس عشان المفروض ناخد بالنا
الكلمة دي خلت قلبي ينقبض، بس فجأة حسيت براحة.. أخيراً الدليل اللي كنت مستنياه بقالي تلات سنين جه لحد عندي. تلات سنين وأنا بمثل دور الست الفقيرة عشان أعرف حقيقتهم، وأخيراً الستار وقع.
ابتسمت ابتسامة حقيقية فيها كل "القهر" اللي شفته السنين اللي فاتت. ابني "كنت" ظهر وراها وقال بزهق: "لورنا، بتبتسمي كدة ليه؟ ليرا تعبانة من السواقة ومقصدش حاجة."
طبعاً لازم يدافع عنها، زي ما دافع عنها لما نيمتني على الكنبة عشان "أوضة الضيوف" تفضل نظيفة للضيوف المهمين، وزي ما سكت وهي بتقدم لي الأكل في أطباق ورق والكل بياكل في أطباق غالية.
قلت بكل هدوء: "أنا فاهمة كويس ليرا قصدها إيه.. ومفيش مشكلة خالص."
لانس حفيدي جه حضني وقال: "أنتي جدتي بجد يا نانا، ميهمنيش ماما بتقول إيه." الكلمة دي كانت هتخليني أضعف، بس شفت ليرا وهي بتبص بقرف وبتقوله: "ادخل اغسل إيدك للعشا ومتمسحش في الكنبة القديمة دي وتوسخ هدومك."
الكنبة دي اللي هما نيموني عليها، في حين إن هما واخدين الأوض الكبيرة.. مع إن الكوخ ده أنا اللي دافعة تمنه من وراهم، وهما فاكرين إن ابني هو اللي دافع. زي ما هما فاكرين إني عايشة على قفاهم من ساعة ما جوزي "هنري" مات وسابني "فقيرة"
الحكاية إن هنري وأنا كنا بنشيل القرش الأبيض لليوم الأسود طول 50 سنة. كنت بدير محفظة استثمارات من غير ما حد يحس، ولما مات هنري، كانت ثروتي وصلت لـ 50 مليون دولار. بس بدل ما أقول لابني، قررت أختبره.. والنتيجة كانت صدمة. ابني ومراته أول ما افتكروني فقيرة، قرروا يبيعوا بيتي ويودوني "دار مسنين" رخيصة عشان ميبقوش مسؤولين عني.
نرجع للرحلة.. تاني يوم الصبح قمت وجسمي مكسر من الكنبة، بس عقلي كان صافي. كنت بشوفهم وهما بيتعاملوا معايا كأني "خادمة" في الرحلة.. أنضف مكانهم وأجهز الفطار وأنا بعتذر إني بطيئة. وفي نص اليوم، روحنا نتمشى عند البحيرة، وليرا كانت بتتصور "سيلفي" وتطلعني بره الكادر كأني مش موجودة.
بالليل، قررت إنه يكون "العشاء الأخير" للتمثيلية دي. طبخت أكل فاخر جداً، ستيك وخضار وحلويات غالية، وهما مستغربين جبت الفلوس دي منين، وقلت لهم "كان عليه عرض".
وفي نص الأكل، قلت لهم: "تهيأ لي جه الوقت نتكلم بصراحة عن الفلوس والأمانة."
طلعت التابلت بتاعي وفتحت حساباتي.. 52 مليون دولار قدام عينيهم!
ليرا وشها بقى أبيض زي الورق وقالت: "ده مستحيل.. ده سحر؟"
قلت لها: "ده حقيقي.. ودي كانت تمثيلية تلات سنين عشان أشوف أصلكم.. وللأسف
ابني "كنت" كان هيتجنن: "كنتي بتختبرينا يا أمي؟"
قلت له: "أيوة، وشفتكم وأنتم بتعاملوني كأني حمل تقيل، وبتعلموا ابني إن الحب بالفلوس وبس."
ليرا بدأت تصرخ وتقول إني كذابة ومخادعة، بس في الآخر وقعت من طولها وأغمى عليها من الصدمة لما عرفت الرقم.
لما فاقت، كانت منهارة. قلت لهم قراري النهائي: "الثروة دي كلها هتتحط في "صندوق" لحفيدي لانس، مش هيلمسها غير لما يتم 25 سنة، والشرط الوحيد إن علاقتي بيه تفضل مستمرة وبدون تدخلكم.. لو حسيت إنكم بتسمموا دماغه ضدي، الفلوس كلها هتروح للجمعيات الخيرية."
ليرا قعدت تعيط وبتقول: "لو كنا نعرف إن معاكي فلوس كنا عاملناكي أحسن!"
رديت عليها: "دي المشكلة.. كنتوا هتعاملوني كويس عشان مصلحتكم مش عشاني.. وده مش حب، ده استغلال."
دلوقتي، أنا عايشة في بيتي الجديد، ابني بيجي يزورني هو ولانس كل أسبوعين، وليرا بقت بتتعامل بمنتهى الأدب (خوفاً على الورث طبعاً). علاقتي بحفيدي بقت أقوى من الأول، وهو اتعلم إن الفلوس وسيلة مش غاية، وإن الجدة هي السند والأمان مش الكنبة القديمة.
التمثيلية خلصت، والحقيقة حررتنا كلنا.. وأنا دلوقتي أسعد ست في الدنيا لأني استرديت كرامتي وحافظت على
تمت.