خلال حفل عشاء عائلي بقلم منال علي

لمحة نيوز

المساء كان متوتر أصلًا… قبل ما سارة تقلبه لمشكلة أكبر بكتير.
كنا قاعدين حوالين سفرة عيلة جوزي في شقة الحاج عبد الرحمن في القاهرة. السفرة مليانة أكل: مكرونة بالبشاميل، فراخ مشوية، سلطة، وعيش بلدي… وكل واحد فينا عامل نفسه إن الجو طبيعي، رغم إن التوتر كان واضح في الهوا...

بقلم منــال عـلـي 

أحمد جوزي كان قاعد جنبي ساكت. فكه مشدود بالطريقة اللي دايمًا بيبقى عليها لما يكون أخوه الكبير محمود موجود.

قصادي مباشرة كانت قاعدة سارة مرات محمود. لابسة بلوفر كريمي شيك زيادة عن اللزوم لعشا عائلي عادي. أظافرها متظبطة جدًا، وابتسامتها شكلها مؤدب… لكن أول ما تركز فيها تحس إنها حادة ومليانة سخرية.

من أول يوم أحمد عرفني عليها، وسارة مش طايقاني.

بس عمرها ما قالتها في وشي صراحة… لأنها لو عملت كده هتبان قدام الكل إنها إنسانة شريرة. بدل كده كانت بتستخدم أسلوب أهدى… كلام صغير، تلميحات، مواقف محرجة بس متغلفة بكلام لطيف.

لما أنا وأحمد اشترينا شقتنا الأولى، ابتسمت وقالت:
"إنتوا متأكدين إنكم تقدروا تعيشوا في المنطقة دي؟"

ولما أخدت ترقية في الشغل، تنهدت وقالت:
"أكيد مرهقة قوي من الشغل الكتير ده."

كأن النجاح حاجة تكسف.

وكل مرة كنت أعترض على كلامها، كانت تميل راسها وتقول بابتسامة:
"إنتِ متحمسة زيادة شوية."

الليلة دي كانت هادية على غير عادتها…
والحقيقة إن ده كان المفروض يقلقني.

في نص العشا تقريبًا، فجأة سارة وقفت الأكل، وشوكتها في الهوا، وبدأت تتحسس حوالين كرسيها كأن حاجة مهمة ضاعت متوفره على روايات واقتباسات 

وقالت بصوت بدأ يعلى:
"

محفظتي… فين محفظتي؟"

محمود تنهد بملل وقال:
"سارة… بلاش تبدأي."

ردت بعصبية:
"أنا بتكلم بجد."

وقفت ولفّت بعينيها حوالين السفرة… لحد ما بصت لي مباشرة.بقلم منال علي 

وقالت:
"كانت هنا."

أم أحمد (فاطمة) حطت الكوباية بهدوء وقالت:
"يمكن وقعت—"

قاطعتها سارة بسرعة:
"لا… ما وقعتش."

وبصت لي مباشرة وقالت:

"إنتِ اللي أخدتيها."

الاتهام وقع في الأوضة زي طبق اتكسر فجأة.

أنا رمشت ومصدقتش اللي سمعته.
"نعم؟!"

سارة دارت حوالين السفرة وعلّت صوتها عشان الكل يسمع.

"ما تعمليش نفسك بريئة. إنتِ دايمًا عينك على حاجات الناس… كأنك خايفة ما يكونش عندك كفاية."

وشي سخن… مش من الذنب، لكن من الصدمة إنها بتتهمني كده قدام الكل.

أحمد بص لها فورًا وقال:
"سارة… كفاية."

لكن محمود ما حاولش يوقفها… بالعكس، كان باين عليه مستمتع بالمشهد.

أنا قلت بهدوء:
"أنا ما أخدتش محفظتك."

سارة مالت راسها وابتسمت ابتسامة متعجرفة.

"بجد؟ طب أكيد مش هتضايقي لو دورت."

وأشارت للشنطة الكبيرة اللي جنب الكرسي بتاعي — الشنطة اللي بشيل فيها اللاب توب بتاع الشغل وبعض الحاجات الصغيرة.

قبل شوية كنت فاتحاها عشان أطلع شاحن الموبايل… فكانت لسه مفتوحة شوية.

قلت بهدوء:
"اتفضلي."

من غير تردد، سارة دخلت إيدها في الشنطة وبدأت تقلب فيها كأنها متقرفة.

وبعد لحظة طلعت محفظة جلد — محفظتها هي — ورفعتها في الهوا بانتصار.

بقلم منــال عـلـي 

وقالت بسخرية:
"شايفين؟ كنت عارفة."

الكل بص لي بصدمة.

الحاج عبد الرحمن رفع حواجبه، وأم أحمد حطت إيدها على بقها. حتى أحمد اتجمد مكانه كأنه

مش قادر يستوعب اللي حصل.

ابتسامة سارة كبرت وهي مستمتعة بالصمت اللي في الأوضة.

وساعتها…

كل حاجة اتغيرت.

لأني بدل ما أدافع عن نفسي…

انفجرت في الضحك.

مش ضحكة توتر خفيفة.

لا…
ضحك حقيقي، عالي، ومش قادر يقف. من النوع اللي يخلي الجو متوتر أكتر لأنه مش مناسب للموقف خالص.

ابتسامة الثقة اختفت من وش سارة.

وقالت بعصبية:
"إنتِ بتضحكي ليه؟!"

أنا مسحت دمعة من عيني وقلت بين الضحك:

"عشان… ده بالظبط اللي كنت مستنية تعمليه."

الضحك ما خلاش الجو أهدى… بالعكس، خلى الأوضة أبرد.

لأن الثقة بتوتر الناس لما يكونوا مستنيينك تحس بالخجل.

سارة شدت المحفظة في إيدها وقالت بعصبية:
"إنتِ بتقولي إيه؟!"

أنا ميلت ضهري شوية لورا وبصيت حوالين السفرة.

وقلت بهدوء:
"قبل العشا، دخلت الحمام اللي في الطرقة. ولما رجعت… لقيت الشنطة بتاعتي مفتوحة."

أحمد لف بسرعة ناحيتي.
"إيه؟!"

كملت كلامي:
"ما قولتش حاجة… عشان أنا عارفة الأمور بتمشي إزاي هنا. لو حد اتهم سارة بحاجة… الناس تقول إنه بيبالغ."

سارة ضحكت بسخرية… لكن عينيها لمعت بتوتر.

أنا طلعت موبايلي من جيبي وقلت:
"عشان كده عملت حاجة تانية."

حطيت الموبايل على السفرة وفتحت فيديو.

"موبايل الشغل بتاعي فيه خاصية أمان بتسجل الحركة لما يكون مقلوب. سيبته تحت المنديل لما لاحظت إن الشنطة مفتوحة."

أحمد مال لقدام… ووش محمود اتغير فجأة.

ضغطت تشغيل.

الفيديو كان باين فيه طرف السفرة والشنطة بتاعتي جنب الكرسي.

وفجأة… ظهرت إيد في الكاميرا.

إيد سارة.

فتحت سوستة الشنطة، بصت حواليها بسرعة… وحطت محفظتها جواها بسلاسة.

الفيديو خلص.

وساد صمت تقيل في الأوضة.

وش أم أحمد شحب.
"سارة…"

محمود بص للموبايل… وبعدين لمراته اللي لسه ماسكة المحفظة.

سارة حاولت تتماسك وقالت بسرعة:
"الفيديو ده متفبرك."

أنا قلت بهدوء:
"التوقيت باين فيه."

عينيها لمعت بالغضب.
"إنتِ نصبتيلي فخ!"

قلت:
"لا… أنا بس كنت بحمي نفسي."

محمود أخيرًا اتكلم:
"سارة… قولي إنك ما عملتيش كده."

لكن سارة بصت له وقالت بعصبية:
"أيوه عملت! كان لازم تتعلم درس."

همهمة صدمة انتشرت حوالين السفرة.

الحاج عبد الرحمن قال بعدم تصديق:
"درس؟!"

سارة رفعت دقنها بتحدي.
"هي داخلة هنا بتتصرف كأنها أحسن من الكل… عشان بتشتغل وجوازها ناجح."

صوت أحمد كان بيتهز من الغضب:
"دي مراتي."

سارة ضحكت بمرارة.
"وهي مشكلتك."

أم أحمد قامت فجأة وقالت:
"كفاية… في البيت ده—"

قاطعتها سارة:
"بلاش بقى… إنتِ أصلًا بتسيبيني أعمل اللي أنا عايزاه عشان بتحبيني أكتر."

الكلام ده وقع على أم أحمد زي الصفعة.

وش محمود احمر وقال:
"سارة… بطلي كلام."

لكن سارة كانت خرجت عن السيطرة. وأشارت لي بغضب.

"كنتي عايزة لفت نظر؟ أهو خدتيه."

أنا قلت بهدوء:
"أنا ما كنتش عايزة لفت نظر… أنا بس كنت عايزة الحقيقة تبقى موثقة."

الحاج عبد الرحمن اتكلم بصوت هادي لكنه حازم:

"اديني المحفظة."

بعد لحظة تردد… سارة رمتها على السفرة.

أحمد مسك إيدي تحت السفرة. حسيت إنه بيترعش… مش من الشك، لكن لأنه أدرك قد إيه التصرف ده كان بيتسامح معاه بقاله سنين.

وساعتها قال الحاج عبد الرحمن الجملة اللي غيرت كل حاجة:

"إنتِ هتمشي."

وبص لسارة وأضاف:
"دلوقتي."

سارة

بصت له مصدومة.
"نعم؟!"

قال بهدوء حازم:
"ده بيتي… واللي عملتيه الليلة يثبت إنك ما تستحقيش تقعدي على السفرة دي."

سارة بصت لي بنظرة مليانة غضب… وبعدين خرجت من الشقة بعصبية.

أما أنا…

فاكتفيت بابتسامة صغيرة.

وقلت بهدوء:

"أهو… الموضوع خلص."

تمت

تم نسخ الرابط