كل يوم

لمحة نيوز


كلامه. مش هنسلّم أي مستندات لشخص مجهول.
أبويا أومأ موافقًا، لكن قبل ما نمشي، وصلته رسالة نصية من الرقم نفسه.
فتحها، وقراها بصوت مسموع
لو عايزين تعرفوا ليه نادية ما كملتش المشروع، اسألوا مارغريت عن آخر دفعة اتسجلت قبل الاجتماع. والأهم... ما تعتمدوش على النسخة اللي معاكم.
بصيت للملف اللي في إيد دانيال.
لو النسخة اللي معانا مش كاملة، فهل أمي كانت عارفة إن فيه مستند أهم منها؟ ومين الشخص اللي ظهر فجأة، وعنده معلومات ما يعرفهاش غير القريبين من المشروع؟
والسؤال اللي خوّفني أكتر من كل ده...
إيه اللي حصل فعلًا في آخر يوم اشتغلت فيه أمي على حلمها؟
يتبع...
النهاية الحقيقة اللي أمي سابتها ليا بعد كل السنين دي 
طول الليل، ما قدرتش أنام.
رسالة الشخص المجهول كانت بتتكرر في دماغي ما تعتمدوش على النسخة اللي معاكم.
كنت حاسة إننا قربنا من الحقيقة، لكن كل ما نمسك طرف الخيط، نكتشف إن فيه جزء تاني مستخبي.
تاني يوم الصبح، دانيال قدر يتأكد من هوية الشخص اللي اتصل بأبويا. اسمه مايكل هاريس، وكان موظفًا سابقًا في مكتب المحامي اللي تولى قضية البيت زمان.
وافق يقابلنا في مكتب دانيال، بشرط إن المقابلة تتم بحضور محامٍ، ومن غير تسليم أي مستندات أصلية.
لما دخل مايكل، كان في أواخر الستينات، وشايل حقيبة جلد قديمة.
قعد قدامنا، وطلع منها ملفًا سميكًا.
وقال
أنا فضلت ساكت سنين طويلة، مش لأني كنت عارف مين المذنب، لكن لأني ما كنتش عايز أتهم حد من غير دليل. دلوقتي، بعد ما عرفت إنكم بتراجعوا أوراق نادية، قررت أساعدكم.
دانيال سأله
إيه اللي عندك؟
فتح مايكل الملف، وطلع منه محضر اجتماع قديم، وكشف حساب، ونسخة من الاتفاق عليها توقيعات الأطراف.
قال
دي النسخة اللي كانت محفوظة في أرشيف المكتب. وفيها صفحة مش موجودة في النسخة اللي معاكم.
قلب دانيال الصفحات بسرعة، وبعدها توقف عند البند المالي.
كانت الحقيقة واضحة بعد مراجعة المستندات مع بعضها المبلغ اللي أثار الشكوك كان جزءًا من تسوية مالية مرتبطة بتمويل المشروع، مش دليلًا على سرقة أو اختلاس. لكن طريقة تسجيله في بعض النسخ كانت ناقصة، وده اللي خلّى الناس تشك في بعض وتختلف على حقوق الملكية.
أما الصفحة الناقصة، فكانت بتوضح إن بيع البيت ما ينفعش يتم باعتباره تسوية عادية للتمويل؛ كان لازم تتراجع شروط الاتفاق ويتوافق عليها أصحاب الحقوق المعنيون.
سألت مايكل
طيب، ليه كل ده ما اتوضحش وقتها؟
رد بحزن
لأن نادية توفيت قبل ما تكتمل المراجعة، وبعدها الملف اتنقل بين أكتر من مكتب. بعض المستندات اتجمعت في الأرشيف، وبعضها فضل مع الأطراف المختلفة. ومع مرور السنين، الناس بدأت تعتمد على نسخ ناقصة.
دانيال راجع التوقيعات والتواريخ، وبعدها قال
إحنا محتاجين نتحقق من المستندات رسميًا، لكن دلوقتي عندنا أساس واضح نقدر نبدأ منه.
وبعد ما خلص الاجتماع، اتفق دانيال مع الجهات المختصة على مراجعة سجل الملكية والالتزامات القديمة.
وبعد أسابيع من المراجعة، وصلنا للنتيجة اللي كنا مستنيينها.
ملكية البيت كانت مسجلة باسم أمي، وما كانش فيه ما يثبت إن الشركة تملك حق الاستيلاء عليه. أما أي التزامات مالية قديمة، فتم التعامل معاها وفق المستندات المثبتة، بعد ما اتضح إن جزءًا كبيرًا من الخلاف كان سببه نقص الأوراق وعدم اكتمال التسوية في الملفات القديمة.
لكن لسه كان فيه سؤال واحد شاغلني ليه أمي أصرت تسيب لي كل الأدلة دي؟
الإجابة كانت في آخر صفحة من دفترها.
رجعت للبيت القديم لوحدي، ودخلت المكتبة اللي كانت بتحب تقعد فيها.
فتحت الدفتر، وقرأت آخر رسالة بخطها
بنتي سارة،
لو وصلتي للصفحة دي، يبقى إنتِ قدرتي تكملي الطريق اللي أنا ما لحقتش أكمله.
أنا ما كنتش عايزاكي تحاربي حد، ولا تثبتي إن حد غلطان. كنت عايزاكي تعرفي إن الحق محتاج صبر، وإن الخوف من المشاكل ما ينفعش يخلينا نتنازل عن الحاجة اللي بنؤمن بيها.
البيت ده كان حلمي، لكن الحلم عمره ما كان في الحيطان ولا الأرض.
الحلم كان في كل أم محتاجة حد يسمعها، وكل طفل محتاج فرصة يعيش حياة أهدى وأأمن.
لو قررتي تكملي المشروع، كمليه لأنك مقتنعة بيه، مش لأنك حاسة إنك مجبرة تنفذي وصيتي.
ولو اخترتي طريق تاني، مش هكون زعلانة منك.
المهم ما تخليش الأسرار اللي اتخبّت عنك تمنعك من إنك تعيشي حياتك بحرية.
خلصت الرسالة، وحسيت بدموعي بتنزل.
لأول مرة، فهمت إن أمي ما كانتش بتحاول تورثني مشكلة قديمة؛ كانت بتحاول تسيب لي الاختيار.
بعد كده، اتكلمت مع أبويا بصراحة.
قلت له
أنا مش هقدر أنسى إنك خبيت عني حاجات مهمة، خصوصًا إنك خليت بن يساعدك في بناء النموذج الخشبي وهو بيتعب، من غير ما تفهمني إيه اللي بيحصل. لكن لو عايز ترجع ثقتي فيك، لازم ما يبقاش فيه أسرار تانية.
هز راسه وقال
عندك حق يا سارة. أنا افتكرت إني بحميكي، لكني في الحقيقة زوّدت الحمل عليكي. أنا آسف.
حطيت له حدودًا واضحة بن مش هيشارك في أي شغل يتعبه، وصحته هتكون الأولوية، وأي حاجة تخص العيلة لازم تتقال بصراحة.
وبعد فترة، بدأت علاقتنا تتحسن تدريجيًا، مش لأن كل اللي حصل اتنسى، لكن لأن أبويا بدأ يثبت بأفعاله إنه اتعلم من غلطه.
أما بن، فبعد المتابعة الطبية والراحة، تحسنت شكواه، ورجع لحياته الطبيعية. وفضلت أتابع حالته مع الدكتور لحد ما اطمنا عليه.
وبعد ست شهور، اتفتح البيت القديم من جديد.
مش كقصر فاخر، ولا كمشروع تجاري ضخم، لكن كمركز صغير للأمهات والأطفال، زي ما أمي كانت بتحلم.
رممنا الغرف واحدة واحدة، وخصصنا جزءًا للمشورة والدعم، وجزءًا للأنشطة التعليمية للأطفال، بمساعدة فريق من المتطوعين والمتخصصين.
وعلّقت صورة أمي في مدخل المكتبة، وتحتها كتبت
البيوت مش بتعيش بالحيطان... بتعيش بالخير اللي بيحصل جواها.
وفي يوم الافتتاح، وقفت وسط المكان وبصيت للأطفال وهم بيلعبوا، وللأمهات اللي دخلوا لأول مرة وهم حاسين إن فيه حد مستعد يسمعهم ويساعدهم.
وقتها فهمت إن كل الأوراق القديمة، وكل الخلافات، وكل السنين اللي ضاعت في البحث عن الحقيقة، كانت مجرد وسيلة عشان نوصل للحاجة الأهم.
الحلم نفسه.
أما النموذج الخشبي اللي أبويا وبن كانوا بيعملوه، فحطيته في المكتبة فوق رف صغير. ما بقيش رمزًا لسر مخيف، لكنه بقى تذكرة ليا إن حتى النوايا الطيبة ممكن تتحول لمشكلة لما أصحابها يختاروا الصمت بدل الصراحة.
وبعد الافتتاح، لقيت ظرفًا صغيرًا كان دانيال محتفظًا بيه من أوراق أمي.
جواه آخر سطر كتبته قبل وفاتها
سارة، يمكن ما أقدرش أكون جنبك لما تعرفي الحقيقة، لكن أتمنى لما توصلي لها، ما تكتفيش إنك تعرفي مين أخفى الورق. اسألي نفسك كمان إنتِ هتعملي إيه بالفرصة اللي رجعت لك؟
ابتسمت وأنا بقفل الظرف.
وأخيرًا، لقيت إجابتي.
مش هضيّع عمري في مطاردة أسرار الماضي... هستخدم الحقيقة عشان أبني مستقبلًا أفضل ليا ولابني وللناس اللي محتاجين فرصة جديدة.
ومن يومها، بقى البيت اللي كنت بخاف من أسراره، مكانًا الناس بتيجي له عشان تلاقي الأمان.
تمت النهاية.

 

تم نسخ الرابط