بنتي مبقاش ليها ام
أهلاً بالهانم.. أهلاً ب أم أولادي اللي قاعدة في بيت أبويا وبتلعب بديلها من ورايا!
سميرة بصت له بغضب جارف وصوت يرتجف من القرف
محمود؟! أنت ليك عين تيجي هنا؟! جاي تعمل إيه بعد ما رميتني أنا وأولادك سنتين ما تسألش فينا ولا تبعت مليم، وطلقتني في التليفون أول ما عرفت إني حامل في حسن؟!
محمود زق الباب برجله ودخل الحوش بقلة أدب، وأقاربه دخلوا وراه
أنا أجي في أي وقت يا حلوة! البيت ده بيت جدودي ولِيا فيه ورث، والعيال دول عيالي وراميهم هنا، وأنا جاي أخد البيت وأبيعه عشان أقبض ثمنه وأرجع الخليج.. وإنتِ تاخدي العيال وتروحي في ستين دلاية!
التفت محمود لحوش البيت، وشاف الخشب الجديد والسقف المترمم والشباك المتصلح، وضحك بتهكم
إيه ده؟ ده أنتِ مروقة البيت على الآخر ومجدداه بفلوس مين بقى؟ بفلوس الراجل الشحات اللي الناس في البلد بتقول إنه بيبات عندك في المخزن؟!
سميرة صرخت في وشه والدموع نزلت من عينها من القهر
اخس عليك وعلى أصلك! الراجل ده أرمل وبنته كانت بتموت في المطر وأنا أويتها! الراجل ده شريف وبيشتغل بعرقه وصين البيت اللي أنت هدمته وسيبته يقع على دماغ ولادك! اطلع برة بيتي يا محمود، أنت مالكش حاجة هنا!
محمود رفع إيده وكان هيضرب سميرة على وشها بيتك مين يا روح أمك؟! أنا هوريكي البيوت بتتربى إزاي.. وهرميكي أنتِ والعيال والراجل ده برة البلد كلها النهاردة!
لكن قبل ما إيد محمود تلمس وش سميرة..
إيد حديدية ماسكة مسطارين أسمنت نزلت على معصم محمود، ولفت دراعه لورا بضغطة واحدة خلت محمود يصرخ من الألم وينزل على ركبه في التراب!
كان أحمد.. نزل من السقف زي الصقر، وعينيه كانت بتطق شرار، وقميصه مبلول عرق وأسمنت، وجسمه كان مبني من شقى المباني والشمس.
أحمد زق محمود بعيد عن سميرة، ووقف قدامه زي السد العالي، وشاور بمسطار الأسمنت في وش قرايبه اللي جُم يتدخلوا
اللي هيقرب خطوة واحدة من الست دي.. هقسم دماغه نصين بالمسطار ده!
محمود قعد يصرخ وهو بيمسك دراعه الوجعان
أنت مين يا روح أمك عشان تتدخل بيني وبين مراتي؟! ده بيتي وعيالي!
أحمد قرب منه ونزل لمستواه، وبص له بعيون مليانة احتقار
مرتك؟! مرتك اللي سيبتها في عز المطر والبرد مع طفل عنده 5 شهور وولد 7 سنين؟! مرتك اللي كنت بتسيب السقف ينزل مية على دماغ عيالك وأنت طافش في الخليج بتصرف على نفسك؟! الست دي أجدع منك ومن عشرة زيك يا قليل الأصل!
أحمد سحب من جيبه ورقة مطوية سلمها ل سميرة، وبعدين بص لمحمود وقاله بصلابة
البيت ده مش بيتك يا محمود.. الست سميرة اشترت نصيب إخواتك كلهم بالشهادات والأوراق الرسمية من شهرين بالفلوس اللي كانت بتحوشها من بيع المربى وشغلها، وأنا بنفسي خدت الأوراق وقيدناها في السجل العقاري في المركز! يعني أنت مالكش هنا ولا قيراط واحد!
محمود بص لسميرة وبص للورقة بذهول إيه؟! أنتِ اشتريتِ أنصبة إخواتي؟!
سميرة رفعت رأسها بثقة وكرامة عمرها ما حسّت بيها قبل كده
أيوة اشتريته بشقايا وعرقي عشان أحمي أولادي من طمعك وجشعك! وإنت مالكش عندي غير الطلاق الرسمي اللي صدر من المحكمة الشهر اللي فات بقضية هجر وضرر.. اطلع برة بيتي يا محمود، ولولا إنك أب العيال دول، كنت حبستك بتهمة التهجم والتعدي!
أقاربه محمود بصوا لبعضهم بخجل، وواحد منهم سحب محمود من دراعه وقال له
يلا بينا يا محمود.. الست معاها حق والأوراق الرسمية في إيدها، والشرمة دي مش بتاعتنا.
محمود خرج من البوابة وهو بيشتم ويهدد، بس كل تهديداته كانت بتتداس تحت رجلين الشارع، والباب الصاج اتقفل وراه للأبد بضغطة قوية من إيد أحمد.
ساد الصمت في الحوش بعد ما الأوباش مشيوا.
سميرة كانت واقفة بتترعش من الانفعال، حاطة إيدها على قلبها وتحس إن روحها كانت هتروح لولا وجود أحمد.
أحمد مشي بالراحة، مسك جردل المية وغسل إيده من الأسمنت، والتفت لسميرة ونزل عينه في الأرض باحترام وكسوف
آسف يا ست سميرة لو دخلت بقلة أدب أو دخلت بصوت عالي.. بس والله العظيم ما قدرت أشوف إيده تترفع عليكي وأسكت. أنتِ وليّة نِيفة وصنتِ بنتي في وقت العالم كله قفل بابه في وشي.
سميرة قربت منه، والدموع في عينها، بس المرة دي كانت دموع راحة وأمل
أنت أنقذت بيتي وشرفي يا أحمد.. أنت صلحت السقف اللي كان بينزل علينا مية، وصلحت البيت اللي كان مكسور جوة قلوبنا.
ياسين جري على أحمد ومسك في رجله عمو أحمد.. أنت مش هتمشي وتسيبنا صح؟
أحمد بص لياسين، وبعدين رفع عينه لسميرة.. وكانت في عينيه رغبة صادقة في بداية جديدة، بداية تبني بيتين مكسورين وتخليهم بيت واحد مبني على الحلال والأصل.
أحمد قال بنبرة دافية وصادقة
أنا لو الست سميرة تقبل.. أحب أكون السند والضلع المكسور اللي يتصلح هنا. نربّي ندى وحسن وياسين سوا على الحلال، وأكون خدام للبيت ده طيلة عمري.
سميرة ابتسمت من وسط دموعها، وهزت رأسها بوفاء وقبول
البيت ده اتفتح لك يوم المطر يا أحمد.. والنهاردة بيتقفل عليك أنت وولادنا عشان يعمر بالحلال.
مرت السنين..
البيت الصغير اللي على أطراف البلد اتغير حاله تماماً.
السقف الصاج المكسور بقى سقف خرسانة متين فوقه أدوار متجددة. الشباك المعووج بقى شباك زان كبير بتدخل منه الشمس كل صباح بتنور الصالة اللي بقت مليانة ضحكات أطفال.
ندى الصغيرة كبرت وبقت تنادي سميرة ماما، وحسن وياسين بقوا يعتبروا أحمد أبوه حقيقي وبيتعلموا منه أصول الرجولة والصناعة.
وأحمد.. بقى أكبر مقاول مباني في المنطقة، بس لسه كل يوم جمعة، يقعد على نفس المصطبة الملساء اللي بناها بيديه، يشرب الشاي مع سميرة تحت شجر الفاكهة، ويفتكروا اليوم اللي المطر طبّل فيه على الطريق.. واليوم اللي فتحت فيه الست الأصيلة بابها لتغير حظهم للابد!
تمت