بعد ١١ سنه

لمحة نيوز

رفعت عيني ناحية العربية السوداء، وأنا لسه مش مستوعبة مين الشخص اللي قاعد جواها.
الباب اتفتح بهدوء.
ونزل منه راجل طويل، في أواخر الثلاثينات، لابس بدلة سوداء بسيطة لكن باهظة، وملامحه هادية بشكل غريب.
بصلي ثواني من غير ما يتكلم.
وبعدين قال
مدام مريم؟
اتجمدت مكاني.
إنت تعرفني؟
ماجاوبش فورًا.
بص على شنطتي، وبعدين على وشي المبلول بالدموع.
وقال
لو سمحتي، اركبي العربية.
رجعت خطوة لورا.
أنا معرفكش.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
وعشان كده مش هطلب منك تثقي فيا. هطلب منك بس تسمعي اللي عندي.
كنت مرهقة لدرجة إني ماكانش عندي طاقة حتى أخاف.
قلت
مين إنت؟
قال
اسمي يوسف الشاذلي.
الاسم وقع عليا كأنه صدمة.
يوسف الشاذلي؟
رجل الأعمال المعروف؟
صاحب واحدة من أكبر شركات الاستثمار في البلد؟
بصلي وقال
أيوه. أنا الشخص اللي فاكرة إنك مستحيل تقابليه.
سألته
إنت عايز مني إيه؟
قال
ولا حاجة.
وبعدين أضاف
أنا جاي عشان أديكي حاجة تخصك.
فتح باب العربية الخلفي.
لقيت جواها ظرف أبيض كبير.
مد إيده وأخده.
ناولني الظرف.
افتحيه.
فضلت باصة له لحظات.
وبعدين فتحته.
جوا الظرف كان فيه ملف طبي.
أول ورقة كانت نتيجة تحليل قديم.
والاسم الموجود عليها كان...
مريم حسن.
قلبي دق بسرعة.
قلبت الورقة.
وبعدين اللي بعدها.
وبعدين رفعت عيني له.
إنت جبت الورق ده منين؟
يوسف قال
من نفس المركز الطبي اللي كنتِ بتتعالجي فيه من سنين.
اتنفضت إيدي.
ليه؟
قال
لأن والدتي كانت بتتعالج في نفس المكان، والدكتور اللي تابع حالتك يعرفني.
سكت لحظة.
والنهارده الدكتور اتصل بيا.
اتسعت عيني.
الدكتور اتصل بيك إنت؟
هز رأسه.
لأن فيه حاجة مهمة جدًا كان لازم تعرفيها.
فتحت الملف بسرعة.
كان فيه تقرير جديد.
قرأته مرة.
مافهمتش.
قرأته تاني.
وبعدين همست
ده إيه؟
يوسف قال
تحليل الحمل بتاعك.
قلبي وقف.
إنت عارف؟
أيوه.
دموعي نزلت من جديد.
إزاي؟
قال
الدكتور كان قلقان لأنك خرجتي من عنده في حالة نفسية صعبة، وعنوانك القديم هو العنوان المسجل عنده. لما اتصلوا وماحدش رد، طلب مني أوصلك.
بصيت له باستغراب.
ليه أنت بالذات؟
لأول مرة، ملامحه اتغيرت.
وقال
لأن والدك كان شريك والدي زمان.
سكت.
أنا فاكرة الاسم.
والدي كان دايمًا بيتكلم عن رجل أعمال اسمه شريف الشاذلي.
قلت
والدك؟
هز رأسه.
أيوه.
وبعدين قال
والدي كان بيعتبر والدك أخوه.
نزلت عيني.
لأول مرة من ساعات حسيت إن فيه شخص بيتكلم معايا باعتباري إنسانة، مش مجرد زوجة فاشلة زي ما كانوا بيصوروني.
يوسف قال
فيه حاجة تانية.
بصيت له.
إيه؟
قال
الدكتور طلب منك تعملي فحوصات إضافية.
ليه؟
عشان يتأكدوا إن الحمل مستقر.
حطيت إيدي على بطني.
أنا خايفة.
قال بهدوء
الخوف طبيعي.
وبعدين أضاف
لكن من النهارده، مش لازم تواجهي أي حاجة لوحدك.
رفعت عيني له.
أنا مش عايزة شفقة.
رد فورًا
وأنا مش بشفق عليكي.
سكت.
أنا بحترمك.
الكلمة دي هزتني أكتر من أي شيء.
لأنها كانت أول مرة حد يقولهالي من فترة طويلة.
ركبت العربية.
يوسف ماقعدش جنبي.
قعد قدام، وطلب من السائق يتحرك.
وبعد دقائق، وصلنا لمستشفى كبير.
دخلت على الطبيبة.
وبعد ساعات من الفحوصات، خرجت وهي مبتسمة.
قالت
الحمد لله. الحمل موجود ومستقر، لكن لازم ترتاحي جدًا.
غمضت عيني.
لأول مرة من الصبح، قدرت آخد نفس كامل.
طفلي بخير.
طفلي موجود.
في نفس الوقت، كان أحمد في البيت.
كان واقف مع والدته والست اللي كانت معاه.
والدته قالت
كده الموضوع خلص.
لكن أحمد كان ساكت.
سألته
مالك؟
قال
مريم ماعملتش مشكلة.
ابتسمت والدته.
وده أحسن شيء.
لكن أحمد ماابتسمش.
كان فيه شيء غريب جواه.
هو كان متعود إن مريم تتمسك بيه.
تجادله.
تعيط.
تطلب منه فرصة.
لكنها مشيت ببساطة.
من غير صراخ.
من غير توسلات.
من غير حتى ما تبص وراها.
وفي اللحظة دي، بدأ لأول مرة يسأل نفسه
ليه؟
بعد يومين، كنت قاعدة في غرفة فندق هادئة.
يوسف حجزلي المكان مؤقتًا.
لكنني رفضت إنه يدفع أي مصاريف شخصية تخصني.
قلت له
أنا مش عايزة أبدأ حياتي الجديدة بفضل حد.
قال
عندك حق.
ووضع قدامي ملفًا.
عشان كده ده مش فلوس.
فتحته.
لقيت عرض عمل.
في شركة تابعة لمجموعة الشاذلي.
وظيفة محترمة.
مرتب محترم.
وسكن مؤقت لمدة شهرين.
قلت
إنت بتساعدني.
قال
أنا بديكي فرصة.
بصيت له.
ليه؟
قال
لأنك تستحقي فرصة تبدأي من جديد.
وافقت.
مش عشانه.
عشاني.
وعشان الطفل اللي جوايا.
بعد أسابيع، بدأت حياتي تتغير.
اشتغلت.
رجعت أقف على رجلي.
بدأت أضحك.
بدأت أشتري حاجات صغيرة للطفل.
وأول مرة دخلت محل أطفال، وقفت قدام سرير صغير جدًا، وحطيت إيدي عليه.
ابتسمت.
وقلت لنفسي
إنت هتكون عندك أم بتحارب الدنيا كلها عشانك.
لكن في يوم...
وصلني ظرف من المحكمة.
طلب رسمي بخصوص الطلاق.
والأغرب من كده...
كان فيه طلب من أحمد لمقابلتي.
رفضت.
لكن في اليوم التالي، وصلني خطاب تاني.
المرة دي كان مكتوب فيه
مريم، أنا محتاج أتكلم معاكي في موضوع الطفل.
تجمدت.
هو عرف.
عرف إني حامل.
وساعتها فهمت إن المواجهة الحقيقية لسه ما بدأتش.
بعد ما عرفت إن أحمد عرف بالحمل، ما نمتش طول الليل.
مش لأنه وحشني.
ولا لأني كنت مستنية يرجع.
لكن لأنني كنت عارفة إنه هيحاول ياخد مني الشيء الوحيد اللي لسه باقيلي.
طفلي.
في اليوم التالي، طلبت من المحامي يراجع كل الأوراق.
وقال لي
ماتقلقيش. مفيش أي إجراء قانوني يقدر يتاخد ضدك لمجرد إنك رفضتي تقابليه.
سألته
ولو قال إن الطفل ابنه؟
قال
ده حقه يثبته بالطريقة القانونية، لكن ده مش معناه إنه يقدر ياخد الطفل منك أو يفرض نفسه على حياتك.
لأول مرة من شهور، حسيت إني واقفة على أرض ثابتة.
بعد أسبوع، حصلت المواجهة.
كنت خارجة من مكتب المحامي، ولقيت أحمد واقف قدام العربية.
كان شكله مختلف.
مش الشخص الواثق اللي طردني من البيت.
كان متوتر.
قال
مريم.
وقفت.
لكنني ماقربتش.
قال
أنا عايز أشوفك.
رديت
إنت شايفني أهو.
ابتلع ريقه.
إنتِ حامل.
قلت
أيوه.
فضل ساكت.
وبعدين قال
ليه ماقولتيليش؟
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع.
إنت بجد بتسألني ليه؟
مريم...
قاطعته
أنا كنت واقفة قدامك في اليوم اللي اكتشفت فيه الحمل.
سكت.
كنت ممكن أقولك.
بصيت في عينه.
لكن إنت كنت مشغول بطردي.
وشه اتغير.
قلت
كنت مشغول بإنك تقولي وقّعي على الطلاق.
سكت.
ووالدتك كانت بتقول إنك محتاج وريث.
دموعه ظهرت.
أنا غلطت.
قلت
الغلط مش إنك طلقتني.
أمال إيه؟
إنك أهنتني قبل ما تعرف الحقيقة.
خفض رأسه.
أنا مستعد أصلح كل حاجة.
هزيت رأسي.
فيه حاجات لما تتكسر، مش بتتصلح بنفس الشكل.
قال
أنا عايز أشوف ابني.
رديت
لما ييجي وقته، كل حاجة هتتم بالقانون.
رفع عيني.
مريم، أنا لسه جوزك.
قلت بهدوء
لأ.
وسكت.
إحنا مطلقين.
اتصدم.
كأنه كان لسه متعلق بفكرة إن الباب ممكن يفضل مفتوح.
لكن الباب
 

تم نسخ الرابط