جدتي

لمحة نيوز


يساعدوها، ولما بدأت تتعب خرجوا يجيبوا حاجات من العربية. أبوكي كان بيرد على مكالمة، وأنا كنت في الحمام... محدش شافها وهي بتحط الحاجة دي.
قلت
طب واللحمة؟!
قالت
ابن عمك شافها من شباك المطبخ وصورها، بس قبل ما حد ياكل، هو دخل ووقفها وسألها إنتِ بتحطي إيه؟ قامت خدت منه الطبق ورمته في الحوض.
سكت شوية وأنا بحاول أستوعب.
وبعدين سألتها
هي كانت عايزة تسممنا؟
أمي ردت بصوت مكسور
أيوه يا خلود... بس لسه مش عارفين كانت المادة دي إيه بالظبط. أبوكي خد الكيس واللحمة اللي اتلمست منها، وراح بيهم الوحدة الصحية عشان يتأكدوا.
قفلت الفيديو، وسندت ضهري على الكرسي.
الغريب إني ما حسيتش بالفرحة ولا حتى بالانتصار.
كنت موجوعة.
مش عشان جدتي كانت هتأذيني أنا وبنات عمي بس...
لكن عشان آخر صورة كنت هاحتفظ بيها عنها كانت هتبقى وهي بتضحك لنا وبتقول لنا إنها ندمانة.
افتكرت وأنا صغيرة وأنا قاعدة على باب المطبخ، وباصّة لطبق اللحمة من بعيد.
افتكرت العصاية وهي بتنزل على إيدي.
افتكرت نظراتها لينا كل ما حد من العيلة يخلف بنت.
وافتكرت كلامها وهي بتقول
البنت مالهاش لازمة.
وكنت طول السنين أقول لنفسي إن الزمن ممكن يغيّر الإنسان.
لكن يمكن في ناس الزمن بيكبرها بس... مش بيغيرها.
بعد حوالي ساعة، أمي اتصلت بيا تاني.
قالت
أبوكي رجع.
قلت بسرعة
عرفوا المادة إيه؟
سكتت لحظة، وبعدين قالت
الدكتور قال إنها مادة ممكن تعمل تسمم شديد لو اتاخدت بكمية كبيرة.
قلبي وقع.
قلت
وجدتي؟
قالت
أبوكي واجهها، وهي في الأول أنكرت. لكن لما شغل لها الفيديو قدام الكل، انهارت.
سألتها
قالت ليه عملت كده؟
أمي تنهدت وقالت
قالت إنها طول عمرها مقتنعة إنكم السبب في ضياع اسم العيلة.
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
يعني بعد كل السنين دي لسه بتفكر بنفس الطريقة؟
قالت
أيوه.
وبعدين أمي قالت جملة خلتني أسكت تمامًا
بس فيه حاجة تانية يا خلود... حاجة محدش كان يعرفها.
إيه؟
جدتك كانت مخبية جواب قديم عندها.
جواب من مين؟
من جدك.
اتنفضت من مكاني.
جدي كان متوفي من سنين طويلة.
أمي كملت
أبوكي لقاه في دولابها وهي بتدور على أوراق المادة. الجواب كان مكتوب من حوالي خمسة وعشرين سنة.
قلت
ومكتوب فيه إيه؟
قالت
جدك كان كاتب إن دكتور كبير قال له وقتها إن عدم إنجاب الولد مش ذنب الستات، وإن السبب ممكن يكون من الرجال، وطلب منه ما يحملش أمك ومرات عمامك المسؤولية.
سكت.
أول مرة في حياتي أفهم إن كل الكراهية اللي اتوزعت علينا ما كانش لها حتى أساس.
جدتي كانت شايفة إن البنات سرقوا منها حلم الولد.
مع إن حتى علميًا، موضوع تحديد جنس المولود مش بالشكل اللي كانت فاهمته.
لكنها قضت عمرها كله تعاقب أربع بنات على حاجة مش في إيدهم.
بعد يومين، رجعت البلد.
مش عشان أسامحها.
ومش عشان أواجهها.
رجعت عشان أشوف بنات عمي.
لقيت وفاء قاعدة في الصالة وعيونها وارمة من العياط.
أول ما شافتني، قامت حضنتني.
وقالت
عارفة إيه اللي وجعني أكتر حاجة؟
قلت
إيه؟
قالت
إنها كانت عايزة تقتلنا عشان حاجة إحنا عمرنا ما اخترناها.
داليا قالت
أنا كنت مستعدة أسامحها.
وشهد مسحت دموعها وقالت
وأنا كمان.
سكتنا كلنا.
وبعدها وفاء طلعت ظرف من شنطتها.
قالت
ده الجواب اللي لقوه.
فتحناه وقعدنا نقراه سوا.
كان جدي كاتب في آخره
لو ربنا رزقنا ببنات، ما تظلموهمش عشان أمنية إحنا نفسنا فيها. البنت مش عار... والبنت مش أقل من الولد.
الكلام ده خلاني أعيط لأول مرة من غير ما أحاول أمنع دموعي.
لأن جدي، رغم إنه مات من سنين، كان أول حد في العيلة يقول لنا إننا مش ناقصين.
وفي نفس الأسبوع، جدتي دخلت المستشفى.
طلبت تشوفنا.
المرة دي رحنا كلنا.
كانت أضعف من أي وقت فات.
بصت لنا واحدة واحدة، وبعدين قالت
أنا عارفة إنكم مش هتسامحوني.
وفاء ردت
إحنا مش عارفين نسامح دلوقتي.
جدتي هزت راسها.
وعندكم حق.
وبعدين بصت لي.
إنتِ كنتِ صح يا خلود.
قلت لها
في إيه؟
قالت
لما مشيتي... كنتِ الوحيدة اللي قلبك قالك إن فيه حاجة غلط.
سكت.
قالت
أنا مش هطلب منك تسامحيني. بس قبل ما أموت، عايزة أقولك إنكم كنتوا أحسن حاجة ربنا رزقني بيها، وأنا ما عرفتش أشوفها.
دموعي نزلت غصب عني.
لكن ما قربتش منها.
قلت بهدوء
أنا مش قادرة أنسى يا ستي... بس أتمنى ربنا يسامحك.
قفلت عينيها، ودمعة نزلت على خدها.
بعدها بأسابيع، توفت جدتي.
ودفناها في نفس المقابر اللي كان جدي مدفون فيها.
وأنا واقفة قدام قبرها، افتكرت كل حاجة.
يمكن لو كانت فهمت من البداية إن قيمة الإنسان مش في كونه ولد أو بنت، كانت حياتها وحياتنا كلنا اتغيرت.
ومن يومها، بقيت كل ما أشوف أم بتقول إنها نفسها في ولد، أقول لها
اتمني اللي ربنا يكتبه لك، لكن ما تخليش أمنيتك تخليكي تظلمي طفل مالوش ذنب.
لأن أنا عشت عمري كله أدفع تمن كراهية ست كانت نفسها في حفيد ولد...
وفي الآخر، أكتر أربع أشخاص فضلوا جنبها في آخر أيامها كانوا...
أربع بنات.

 

تم نسخ الرابط