اختفت وسط الجبال
تخرج وحدها.
وفي طريق الخروج
سمعت صوت ناس.
افتكرت إن فرق الإنقاذ وصلت.
جريت ناحية الصوت.
لكنها اكتشفت إن الصوت كان ناتج عن صدى غريب داخل ممر جانبي.
ومن شدة الخوف والارتباك، وقعت واتصابت تاني.
من وقتها
بدأت تصدق إن الجبل نفسه بيحبسها.
وعمران، بدل ما يجبرها، كان بيحاول يحميها.
لكن السؤال الأصعب ظل موجودًا
ليه هدومها كانت نضيفة؟
وليه جسمها ما كانش بالشكل المتوقع لشخص عاش سنين في كهف؟
الجواب كان أبسط مما توقع الجميع.
الغرفة اللي كانت عايشة فيها ما كانتش كهفًا طبيعيًا مهجورًا.
كانت غرفة قديمة استخدمها ناس من المنطقة من عشرات السنين كمخزن.
فيها مصدر مياه جوفية صغير.
وفيها فتحات تهوية.
وعمران كان بينظف المكان باستمرار.
وكان عنده ملابس ومستلزمات مخزنة.
أما الطعام
فكان بيخرج من فتحة سرية تانية في الجبل، بعيدة عن المسار اللي فرق البحث كانت بتفتشه.
وبكده اتفسر كل شيء.
لكن لسه فيه سؤال واحد
ليه ليان ما طلبتش النجدة لما المستكشفين وصلوا؟
وهنا قالت الحقيقة.
ليان بصت لأبوها وقالت
أنا كنت خايفة.
خايفة من إيه يا بنتي؟
دموعها نزلت.
خايفة أخرج وأرجع أشوف العالم اللي سبتُه.
سكت أبوها.
قرب منها.
ومسك إيدها.
وقال
العالم ده هو بيتك.
ليان انهارت في حضنه.
ولأول مرة من تلات سنين
بكت بصوت عالي.
بعد أيام، التحقيق أثبت إن عمران ما خطفش ليان.
بل إنقاذه ليها هو اللي أنقذ حياتها في الأيام الأولى.
لكن السلطات حمّلته مسؤولية عدم إبلاغهم بعد استقرار حالتها، خصوصًا بعد مرور وقت طويل.
أما ليان
فدخلت برنامج تأهيل نفسي واجتماعي، وبدأت تستعيد حياتها بالتدريج.
رجعت جامعتها.
لكنها ما رجعتش لنفس ليان القديمة.
بقت أهدى.
وأقل كلامًا.
وأكثر ارتباطًا بالطبيعة.
وبعد شهور
رجعت مع والدها للمكان اللي اختفت فيه.
وقفت قدام مدخل الجبل.
بصت للكهف من بعيد.
والدها قال
عايزة ندخل؟
ليان هزت راسها.
لأ.
سألها
ليه؟
ابتسمت وقالت
عشان المرة دي أنا اللي باختار أرجع البيت.
ومشيت معاه.
لكن قبل ما تركب العربية
وقفت فجأة.
وبصت ناحية الشجرة اللي كانت موجودة عندها البومة الخشبية.
كان فيه شيء متثبت عليها.
اقتربت.
ولقت البومة نفسها.
نفس البومة اللي لقوها يوم اختفائها.
مسكتها بإيديها.
وقلبتها.
ولأول مرة
اكتشفت إن تحتها كان محفور سطر صغير جدًا.
لو خرجتي متنسيش إنك كنتِ أقوى مما كنتِ فاكرة.
ليان فضلت ساكتة.
وبعدين ابتسمت.
مش الابتسامة الغريبة اللي شافها المستكشفون أول مرة
لكن ابتسامة طبيعية.
ابتسامة بنت رجعت لأبوها.
رجعت لحياتها.
ورجعت لنفسها.
ومن يومها، كل سنة في نفس التاريخ
كانت ليان بتروح الجبل.
مش عشان تختفي.
لكن عشان تفتكر إنها نجت.
أما آخر صورة اتصورت ليها هناك
فكانت واقفة جنب والدها، ماسكة البومة الخشبية.
وعينيها المرة دي
كانت بترمش.
لأن ليان محمود أخيرًا خرجت من الكهف من غير ما تسيب جزءًا منها جواه.