زوجي دخل البيت ومعه رجل مشرد حكايات حماده
زوجي دخل البيت ومعه رجل مشرد وقال لي
أريدكِ أن تحمميه في حوضنا. وأرجوكِ، لا تنادي الخدم. قومي بالأمر بنفسكِ.
ظننتُ بصدق أن زوجي قد فقد عقله.
اسمي ماريانا، أبلغ من العمر ستة وثلاثين عاماً، وحتى بعد ظهر ذلك اليوم، كنت مقتنعة بأنني أعرف كل شيء عن الرجل الذي ارتبطتُ به لخمسة عشر عاماً. يمتلك جوليان عدة شركات مقاولات وتطوير تجاري كبرى في جميع أنحاء شيكاغو. كانت لديه أموال أكثر مما يمكننا إنفاقه طوال حياتنا، لكن كانت لديه عادة واحدة تدفعني أحياناً إلى الجنون متى ما عزم على دعم قضية خيرية، لم يكن في وسع أي شيء إيقافه.
في ذلك الأسبوع، اختار أن يتطوع بنفسه في مطبخ خيري لإطعام المحتاجين بالقرب من محطة الحافلات في وسط المدينة. قال إنه سئم من الاكتفاء بكتابة شيكات ضخمة باسم شركته لالتقاط الصور الدعائية، وأراد أن يلتقي بالناس الذين يتلقون المساعدة وجهاً لوجه.
لم يُبهرني حماسه المفاجئ.
تحدثتُ بسخرية ذلك الصباح وأنا أرتشف قهوتي بعض الناس يحتاجون حقاً إلى يد تمتد لمساعدتهم، لكن كثيرين غيرهم يفضلون العيش بتلك الطريقة فحسب.
خرجت تلك الكلمات بمنتهى البساطة من راحة منزلي المكيّف، حيث يحضّر الطاهي فطوري وينتظرني السائق الخاص في الخارج. في ذلك الوقت، لم أكن أفهم شيئاً على الإطلاق.
في وقت لاحق من بعد الظهر، عدتُ إلى المنزل بعد غداء مع بعض الصديقات، لأجد جوليان واقفاً في بهو قصرنا الكبير بجانب رجل مسن يبدو وكأنه أمضى عقوداً من عمره في الشوارع.
كان شعره أشعث ومتشابكاً، وبشرته تغطيها طبقات من الأوساخ الداكنة، ويرتدي معطفاً رثاً تفوح منه رائحة كريهة لدرجة أنني غطيت أنفي غريزياً وتراجعت خطوة إلى الوراء.
صرختُ بحدة ما الذي يفعله هذا الرجل في منزلنا بحق السماء؟
خفض الرجل عينيه على الفور، منكمشاً على نفسه في حرج.
رد جوليان بهدوء أثار غيظي اسمه لوكاس.
هل هذا اسمه حقاً، أم أنك قررت تسميته بنفسك؟
إنه لا يتذكر اسمه الحقيقي يا ماريانا.
افترضت أنه يلقي دعابة سخيفة لا محل لها.
تحدث العجوز بصوت خافت ومبحوح ليشرح أنه منذ عشرين عاماً كان يتنقل بين محطات القطار والحدائق والمباني المهجورة. كل ما يتذكره هو استيقاظه قبل عقدين بين حطام موقع بناء، ولم يكن يذكر أي شيء قبل ذلك؛ لا عائلة، لا اسماً أخيراً، ولا عنوان منزل.
لا شيء على الإطلاق.
صادفه جوليان وهو يوزع الحساء بعد ظهر ذلك اليوم.
أعلن جوليان بحزم سأساعده في استخراج أوراقه الثبوتية والعثور على سكن لائق. وحتى يحين ذلك، سيمكث في جناح الضيوف لدينا.
غلى الدم في عروقي في منزلنا نحن؟!
نعم.
وماذا بعد يا جوليان؟ هل ستحول غرف الضيوف إلى مأوى للمشردين؟
تراجع الرجل متوتراً نحو الباب الرئيسي وتمتم لا أريد التسبب بأي مشاكل... يمكنني المغادرة.
أمسك جوليان ذراعه برفق وقال لن تذهب إلى أي مكان. ثم وجه نظرة حادة نحوي ماريانا، كنت للتو أملأ حوض الاستحمام في الطابق العلوي. اذهبي وساعديه في الاغتسال.
تسمّرتُ في مكاني تماماً أنا؟!
نعم.
لدينا طاقم خدم كامل في المنزل يا جوليان!
بالضبط. إن كنتِ تؤمنين حقاً بأن مساعدة الناس أمر مهم، فابدئي بمعاملته كإنسان بدلاً من اعتباره مجرد فوضى يُلقى تنظيفها على شخص آخر.
جرحتني كلماته لأنني أدركت أنها أصابت تكبري في مقتل.
صعدتُ بالرجل المسن إلى حمام الجناح الرئيسي وأنا أتمتم غضباً تحت أنفاسي. وقبل أن ألتفت إليه، ارتديت قفازات تنظيف مطاطية سميكة.
قلت ببرود اخلع تلك الأسمال البالية وضعها مباشرة في كيس القمامة هذا، سنلقي بكل شيء في النفايات.
رد الرجل بنبرة مهذبة وراقية على نحو مفاجئ يمكنني غسل نفسي.
أفضل التأكد بنفسي من أنك لن تفسد الرخام.
حتى الآن، كلما تذكرت كم كنت قاسية في حديثي معه، يعتصر قلبي ألماً وخجلاً.
نزل الرجل العجوز في الماء الدافئ، وسرعان ما تعكر صفو الماء النقي ليصبح داكناً. أمسكتُ بإسفنجة ناعمة، وأجبرتُ نفسي على التغلب على اشمئزازي، وبدأت في فرك كتفه الأيمن.
ومع زوال طبقات السنين من الأوساخ، لفت انتباهي شيء ما تحتها.
شامة صغيرة على شكل هلال.
انزلقت الإسفنجة من بين أصابعي وسقطت في الماء برذاذ مسموع.
وبدا وكأن الهواء قد سُحب تماماً من رئتيّ...
تجمدتُ وأنا أحدق في تلك الشامة الصغيرة.
هلال واضح... بنفس الشكل والمكان تماماً.
رفعتُ عيني إلى وجه الرجل العجوز، وشعرتُ بقلبي يخفق بعنف.
قلتُ بصوت مرتجف
ممكن... ممكن ترفع إيدك الشمال؟
نظر إليّ باستغراب، لكنه فعل ما طلبته.
اقتربتُ منه أكثر، وأزحتُ الشعر المتشابك عن رقبته.
كانت هناك ندبة قديمة، صغيرة، تحت أذنه.
تراجعتُ خطوة وأنا أضع يدي على فمي.
كنت أعرف تلك العلامة.
لم أرها منذ سنوات طويلة، لكنني لم أنسها أبداً.
قلتُ هامسة
مستحيل...
التفت الرجل إليّ
ماذا هناك؟
خرجت مني الكلمات بصعوبة
أنت... هل تتذكر أي شيء عن عائلتك؟
هز رأسه بحزن
قلت لكِ... لا أتذكر شيئاً.
هل تتذكر اسماً؟ أي اسم؟
أغمض عينيه، وكأنه يحاول انتزاع ذكرى مدفونة في أعماقه.
وبعد لحظات قال
أعتقد أن أمي كانت تناديني... جوليان.
سقطت الكلمات على رأسي كالصاعقة.
جوليان!
نفس الاسم الذي يحمله زوجي.
خرجتُ من الحمام راكضة.
وجدتُ زوجي واقفاً في الممر.
كان ينظر إليّ وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة.
صرخت
جوليان! لازم تيجي حالاً!
دخل الحمام، وما إن رأى الرجل العجوز حتى تغير وجهه.
اقترب منه ببطء، ثم أمسك بيده.
قال
أرني يدك.
مد الرجل يده.
قلب جوليان كفه، وحدق في علامة صغيرة قرب الإبهام.
ثم جلس على حافة حوض الاستحمام.
وبدأ يبكي.
لم أرَ زوجي يبكي طوال خمسة عشر عاماً.
قال بصوت مكسور
إنه هو...
لم أفهم.
مين؟
رفع جوليان عينيه نحوي.
أخي الأكبر.
شعرتُ أن الأرض اختفت من تحتي.
أخي زوجي؟
أخي جوليان الذي لم أسمع عنه طوال خمسة عشر عاماً من زواجنا؟
قال جوليان
كان اسمه دانيال. اختفى منذ عشرين عاماً.
حدق الرجل العجوز في جوليان طويلاً.
ثم بدأ يرتجف.
جوليان...؟
اقترب منه زوجي.
نعم. أنا جوليان.
وفجأة احتضن الرجل العجوز زوجي، وانفجر الاثنان في البكاء.
وقفتُ في مكاني عاجزة عن الكلام.
بعد دقائق، جلسنا جميعاً في غرفة المكتب.
بدأ جوليان يشرح لي الحقيقة.
قبل عشرين عاماً، كان لديه أخ أكبر يُدعى دانيال.
كان دانيال مهندساً يعمل في أحد مواقع البناء التابعة للعائلة.
وفي إحدى الليالي، وقع حادث انهيار في الموقع.
تم العثور على بعض العمال، لكن دانيال اختفى.
بحثت العائلة عنه لأشهر.
ثم وصلت إليهم أخبار تفيد بأنه ربما مات أثناء الحادث، بعدما عُثر على بعض متعلقاته بين الأنقاض.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
دانيال نجا.
كان فاقداً للذاكرة.
ومنذ ذلك اليوم، عاش متنقلاً من مكان إلى آخر، دون أن يعرف من هو.
قلتُ وأنا غير قادرة على استيعاب ما أسمعه
لكن كيف عرف جوليان أنه هو؟
نظر زوجي إلى أخيه.
وقال
منذ سنوات وأنا أبحث عنه.
ثم أخرج من درج مكتبه صورة قديمة.
كانت صورة لطفلين.
أحدهما كان جوليان.
والآخر... الرجل الذي كان قبل ساعات فقط مشرداً في الشوارع.
لكن المفاجأة لم تكن هنا.
كانت هناك امرأة في خلفية الصورة.
اقتربتُ من الصورة.
وتعرفتُ عليها فوراً.
كانت أمي.
شهقتُ
دي أمي!
نظر جوليان إليّ بدهشة.
إنتِ تعرفيها؟
قلت
طبعاً... دي أمي قبل ما تتجوز أبي.
ساد الصمت.
ثم بدأ دانيال يحدق في الصورة.
وفجأة قال
أنا أعرف هذه المرأة.
اقتربتُ منه.
إزاي؟
أمسك رأسه بكلتا يديه.
وبدأت ذكريات قديمة تتدفق إليه.
قال
هي... هي كانت موجودة في موقع البناء ليلة الحادث.
تجمدتُ.
أمي؟
هز رأسه.
كانت تعمل مع مؤسسة خيرية. جاءت لتوزيع الطعام على العمال.
ثم نظر إليّ