ابن سلفتي
المحتويات
في ثانية، عقلي طار.. كنت هصرخ بكل صوتي، كنت هجري وأسحبه من هدومه قبل ما النار تاكله أو يقع في قلب الفرن..
بس في جزء من الثانية.. في أقل من رمشة عين.. رن في ودني صوت سلفتي والكلام اللي قالتهولي من يومين أرض بور.. شقاكي وشقى جوزك لابني ده.. هنورثكم في الآخر!
ساعتها.. وقفت مكاني! وجسمي اتجمد، وفي اللحظة دي، عملت حاجة في حياتي كلها عمر ما خيالي كان ممكن يتصور إني أعملها...
جمدت في مكاني والوقت حسيت إنه وقف. الشيطان حضر في ثانية، وبدأ يوسوس لي بصوت سلفتي اللي كان بيرن في ودني زي الفجر أرض بور.. هنورثكم.. ابني هو اللي هياخد شقاكم. عيني كانت على الولد وهو بيوطي وجسمه النحيف بيقرب من هبّة النار الملهلبة، وعقلي الشرير كان بيقولي سيبيه.. ربنا بياخد لك حقك.. خليها تدوق الوجع اللي ذوّقتهولك.. خلي حلمها اللي بتحلم بيه في ورثك يتحرق قدام عينها!
غمضت عيني لحظة.. لحظة واحدة كانت الفكرة الخبيثة دي بتتسرب لجواي زي السم. مسكت في حرف الباب وجسمي كله بيتترعش، صدري كان بيترفع وينزل وسخونة النار واصلة لوشي. بس في نفس اللحظة دي، وفي أقل من جزء من الثانية، سمعت ضحكة الولد الصغير وهو بيمد إيده.. ضحكة بريئة ملهاش أي
عقلي صرخ جوايا إنتي مش كده يا عليه! إنتي مش قاتلة ولا قلبك أسود.. لو سبتيه يتحرق هتفضل ناره توقد في قلبك إنتي لحد ما تموتي، وربنا مش هيرضى عنك أبداً! هتواجهي ربنا إزاي بدم طفل بريء؟!
في لمح البصر، ومن غير ما أفكر ولا أتردد ثانية واحدة بعد الفكرة الشيطانية دي، اتفتحت عيني ودبيت في الأرض وجريت أسرع من الريح. خطفت الولد من قفاه وشداني لورا بمنتهى القوة قبل ما إيده تلمس الشعلة أو طراطيف هدومه تمسك فيها النار!
الولد اتخض وبدأ يصرخ وعيط بصوت عالٍ، وأنا مسكته في حضني وعصرته جامد وجسمي كله بيتفاض زي الفراخة المذبوحة. نزلت على الأرض بيه وأنا مش قادرة أتنفس، دموعي نزلت زي المطر.. مش عشان الفلوس ولا عشان كلام أمه، بس عشان اكتشفت إن الغل كان ممكن يحولني لمجرمة في لحظة ضعف، وعشان حسيت بقد إيه روح البني آدم غالية عند ربنا.
في الوقت ده، خرجت الحاجة أم جوزي تجري من باب الشارع على صوت صريخ الولد، ورحمة سلفتي طلعت تجري من شقتها وشها أصفر زي الليمونة لما سمعت صريخ ابنها. رحمة شافتني وأنا قاعدة على الأرض
جرت عليّ وشدت الولد من حضني بلهفة ورعب، وهي بتقول بصوت متقطع ووشها مجنون من الخوف في إيه؟! جرى إيه لابني؟! عملتي فيه إيه يا عليه؟!
جرت عليّ وشدت الولد من حضني بلهفة ورعب، وهي بتقول بصوت متقطع ووشها مجنون من الخوف في إيه؟! جرى إيه لابني؟! عملتي فيه إيه يا عليه؟!
الحاجة بصت للفرن وبصت للعبة الصغيرة اللي كانت خلاص بتتحرق وتسيح جوة النار، وفهمت المشهد في ثانية. صرخت الحاجة في وش رحمة بصوت زلزل الحوش وقالت لها عملت إيه؟! دي نجت ابنك من الموت المحقق يا قاسية القلب! الولد كان هيقع جوة الفرن الملهلب وإنتي سايباه وبتقفلي على روحك المطبخ! بدل ما تبوسي إيدها ورأسها إنها لحقت ابنك من النار قبل ما تاكله؟!
رحمة بصت للفرن وبصت للعبة اللي بتطلع دخان جوة النار، ووشها جاب ألوان.. اتخضت ودمها اتجمد. فهمت إن ابنها كان خلاص بينه وبين الموت خطوة واحدة، وإن أنا.. الست اللي هي عيرتها بقلة الخلفة وقالت عليها أرض بور وخيرها رايح لغيرها.. أنا اللي أنقذت قطعة من قلبها وحميته بروحي ونطيت في النار عشان ألحقه!
رحمة اتسمرت مكانها، وبصتلي بعيون مليانة
في المساء، لما العيلة كلها اتجمعت بعد المغرب، وجوزي وجوزها جم من الأرض وتعب اليوم باين على وشوشهم، الحاجة حكت كل حاجة حصلت في الحوش. بس الحاجة ما حكتش بس عن الفرن والولد.. الحاجة كانت ناصحة وذكية، وعارفة إن الحقوق لازم تترد عشان النفوس تتصفى. وقفت وسط الصالة وقالت بصوت جاد وهيبة هزت البيت كله
يا جماعة.. قبل ما نتكلم في موضوع الولد والفرن، في حقوق ولازم ترجع لأصحابها. رحمة أخدت خمسة آلاف جنيه بتوع عليه، وقالت لها دي تلاتة بس. أنا ساكتة من صبحية ربنا ومستنية أشوف الأمانة هترجع ولا لأ!
البيت كله اتكهرب. جوز رحمة بص لمراته باستغرب وصدمة، وجوزي بصلي وهو مش فاهم حاجة ووشه اتغير. جوز رحمة قام وقف وبص لمراته بنظرة شرار وقال بغضب الكلام ده صح يا رحمة؟! مديتي إيدك على حق سلفتك وشقاها؟ وبتاخدي فلوس مش بتاعتك؟!
رحمة كانت قاعدة في الأرض، راسها مكسورة في التراب، مش قادرة ترفع عينها في عين حد. العجرفة والبرود واللسان الطويل اللي كان عندها من
متابعة القراءة