اختي التؤام

لمحة نيوز


طبعًا.
إحنا الاتنين بقينا أكبر.
شعرها بقى أقصر من زمان، وعلى جنب فكها كان فيه أثر جرح باهت ممتد لحد قريب من رقبتها.
لكن ملامحها...
عينيها...
الخط الصغير اللي بيظهر بين حواجبها لما تتوتر...
كل حاجة كانت بتصرخ باسم واحد
نور.
الست قامت من مكانها ببطء.
وأنا فضلت واقفة عند باب العيادة، مش قادرة أخد خطوة واحدة ناحيتها.
بصيت على إيديها.
كانت بتلف خاتم فضة حوالين صباع إيدها اليمين بشكل متكرر.
قلبي اتقبض.
نور وهي صغيرة كانت بتعمل نفس الحركة بالظبط، بس بالأساور اللي كانت بتلبسها.
كل ما تتوتر، تفضل تلف الإسورة حوالين معصمها.
قالت بصوت هادي
أهلًا يا سارة.
بصيتلها بذهول.
ماتقوليش أهلًا كأننا ماشوفناش بعض من أسبوع!
الابتسامة الصغيرة اللي كانت على وشها اختفت.
قالت
حاضر.
ماكنتش قادرة ألمسها.
حتى بعد ما سمعت صوتها وشفت وشها قدامي، جزء من عقلي كان بيصرخ إن ده مستحيل.
لازم أتأكد.
قلت فجأة
الخبطة اللي كانت في حيطة أوضتي وإحنا صغيرين... كنا مسمينها إيه؟
عينيها اتمَلّت دموع في نفس اللحظة.
وقالت
القمر.
نفسي اتقطع.
سألتها بسرعة
مين اللي كسر فازة ماما يوم العاصفة؟
ردت من غير تفكير
أنا.
وسكتت لحظة، وبعدين كملت
وإنتِ قولتي لبابا إنك إنتِ اللي كسرتيها، عشان مايعاقبنيش ويمنعني أروح عيد ميلاد مروة.
رجعت خطوة لورا.
مفيش حد يعرف التفاصيل دي.
مفيش.
نور اتحركت خطوة ناحيتي.
أنا فورًا رجعت خطوة تانية.
وقلت
إنتِ فعلًا نور.
قالت بهدوء
مش لازم تستوعبي كل حاجة دلوقتي.
بصيتلها بعصبية
وإنتِ مش من حقك تقوليلي أستوعب إيه وإمتى!
وقفت مكانها.
عندك حق.
فضلت أبصلها.
نفس العينين.
نفس النظرة اللي بتظهر فيها لما تكون خايفة.
وسألت السؤال الوحيد اللي كان بيلف في دماغي
إنتِ عايشة إزاي؟
قالت
ممكن نخرج من هنا الأول؟
لأ.
سارة...
عايزة أعرف إنتِ عايشة إزاي!
وطّت صوتها وقالت
أنا نجيت من الحادث.
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
نجيتِ؟

إحنا دفناكي!
قالت
التابوت كان فاضي يا سارة.
حسيت بحاجة اتكسرت جوايا.
ماما لحد النهارده بتحط ورد على قبرك!
قفلت عينيها.
قلت
بابا فضل خمس سنين مش قادر يعدي من الطريق اللي حصل عليه الحادث!
قالت
عارفة.
سكت.
وبصيتلها.
عارفة؟
فتحت عينيها.
وقالت
عارفة.
وفي اللحظة دي، لأول مرة فهمت إن وجود نور قدامي وهي عايشة...
يمكن مايكونش أسوأ حاجة في الموضوع.
يمكن فيه حاجة أكبر مستنياني.
خرجنا من العيادة.
نور طلبت مني أوصلها البيت.
وللحظة غبية، افتكرت إنها تقصد بيت ماما وبابا.
طلعت موبايلي فورًا.
هكلمهم.
قالت بسرعة
لأ.
بصيتلها.
إيه؟
لو سمحتي، وصليني شقتي الأول.
شقتك؟
سارة...
معلش، بحاول أستوعب! إنتِ ميتة بقالك عشر سنين وفجأة بتقوليلي أوصلك شقتك!
أدتني عنوان.
بصيتله.
ده في مدينة تانية، حوالي بلدين من هنا!
قالت
عارفة.
أمال بتعملي إيه عند دكتور أسنان هنا؟
قالت إن حشو ضرسها اتكسر، والعيادة دي كانت المكان الوحيد اللي قدر يديها ميعاد النهارده.
ركبنا العربية.
فضلنا أول كام دقيقة ساكتين.
أنا لما بتوتر، دماغي بتحول كل حاجة لأسئلة.
وكان عندي وقتها مئات الأسئلة.
نور هي اللي قطعت الصمت.
لازم أقولك حاجة عن المكالمة.
بصيتلها.
إيه؟
أنا ماكنتش عارفة إني ادّيتهم رقمك.
يعني إيه؟
قالت
كنت لسه تحت تأثير الدوا. سألوني يكلموا مين ييجي ياخدني... ويبدو إني قلت رقمك تلقائي.
بصيتلها.
نور، الرقم ده أنا غيرته من أكتر من عشر سنين.
قالت
عارفة.
وحافظاه؟
واضح إن جزء مني كان لسه حافظه.
الكلام دخل قلبي بطريقة غريبة.
عشر سنين كاملة...
وفي مكان ما جوا عقلها، رقمي كان لسه موجود.
سألتها
ليه رقمي أنا؟
قالت
معرفش.
وبعد لحظة سألتني
ماما وبابا عاملين إيه؟
قلت ببرود
عايشين.
قالت
قصدي... نفسيًا.
فاهمة قصدك.
ماما منى كانت بتكلمني كل يوم أحد، ومن عمرها ما ضغطت عليا إني أتجاوز موت نور.
وبابا جمال كان أهدى منها.
بعد الحادث، لما كان يلاقيني
منهارة ومش عايزة أتكلم، كان يقعد جنبي في صمت.
هما الاتنين ساعدوني أعيش بعد موت نور...
في الوقت اللي نور نفسها كانت عايشة.
قلت
غريبة.
إيه؟
حافظه رقم موبايلي... لكن مش عارفة ماما وبابا عاملين إيه.
لفت وشها ناحية الشباك.
دي أصعب شوية في الشرح.
قلت
يبقى الأحسن تبدأي تشرحي بسرعة.
لما وصلنا شقتها، فهمت قد إيه نور بنت حياة كاملة بعيد عننا.
الشقة كانت مليانة زرع.
فيه صور متعلقة على الحيطان.
كتب عن الزراعة.
وكوباية صفرا جنب الحوض.
مسكت كتاب زراعة من فوق الترابيزة.
إنتِ بتزرعي؟
قالت
أيوه.
بصيتلها باستغراب.
إنتِ كنتِ بتكرهي التراب!
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
زمان.
قلت
إنتِ موتّي صبارة قبل كده.
ضحكت للحظة.
وكانت أول مرة أشوف فيها أختي القديمة.
لكن بعدها شفت الصور.
نور بتضحك وسط ناس معرفهمش.
نور في مطعم.
نور راكعة جنب حوض زرع.
نور في رحلة.
نور وسط أصحاب.
بصيت لكل الصور.
مفيش صورة واحدة ليا.
ولا لماما.
ولا لبابا.
سألتها
عايشة هنا بقالك قد إيه؟
تلات سنين.
وقبل كده؟
كنت أبعد.
حطيت الكتاب مكانه.
تمام. ابدئي من الحادث.
قعدت نور.
وقالت
العربية نزلت من فوق المنحدر. قبل ما تولع بالكامل، أنا اترميت منها.
وبعدين؟
معرفش بالظبط. غالبًا مشيت مسافة وأنا مش واعية. واحد لقاني بعد الحادث بكيلومترات، جنب طريق تاني.
كانت مصابة في دماغها.
ومكانش معاها أي أوراق تثبت شخصيتها.
قلت
وذاكرتك؟
قالت
كانت شبه ضايعة.
وسكتت.
كنت فاكرة إزاي أستخدم المعلقة قبل ما أفتكر اسم عيلتي.
لفت الخاتم حوالين صباعها.
اسمي الأول رجع قبل باقي الذكريات. كنت عارفة إني نور... لكن معرفش نور دي مين، ولا بيتها فين، ولا أهلها مين.
مع الوقت، الذكريات بدأت ترجع.
مطبخ ماما الأصفر.
أوضتنا.
أنا وهي بنغني.
ضحكت نور وقالت
وإنتِ بتغني بصوت وحش في الحمام.
قلت تلقائي
دي كنتِ إنتِ.
قالت
مستحيل.
وللحظة...
كنت هضحك.
لكن السؤال الحقيقي رجع.
قلت
إمتى افتكرتيني؟

وشها اتغير.
قالت
سارة...
إمتى؟
أرجوكي.
إمتى يا نور؟
عينيها اتمَلّت دموع.
وقالت
من ست سنين.
فضلت باصة لها.
مش مستوعبة الرقم.
كام؟
ست سنين.
يعني إنتِ عارفة إني عايشة من ست سنين؟
أيوه.
وعارفة إني فاكرة إنك ميتة؟
سكتت.
أيوه.
مسكت الكوباية الصفرا من على الرخامة، وبعدين رجعتها مكانها بهدوء عشان ماحدفهاش في الحيطة.
كلمتينا؟
قالت
حاولت مرة.
ضحكت بمرارة.
مرة؟!
لقيت رقم ماما وبابا القديم، لكنه كان اتغير.
وخلاص؟ دي كانت محاولتك؟
قالت
كتبت جوابات.
سألتها
بعتّيها؟
وطّت راسها.
لأ.
بصيتلها.
يبقى الجوابات دي كتبتيها لنفسك يا نور... مش لينا.
وشها انكمش.
مسكت شنطتي.
قالت
سارة استني، أقدر أشرح.
وصلت للباب.
لفيتلها.
كان عندك ست سنين تشرحي.
وخرجت.
الليلة دي ماكلمتش ماما وبابا.
وده كان قراري أنا.
نور سيطرت على الحقيقة وقت كفاية.
رجعت بيتي.
فتحت دولاب المطبخ.
ولقيت الكوبايتين الزرق اللي عندي من سنين.
واحدة ليا...
وواحدة كنت دايمًا بسميها الاحتياطي.
وفجأة فهمت حاجة وجعتني.
أنا بقالي عشر سنين بشتري حاجات احتياطي.
كوبايتين.
قطعتين جاتوه.
اتنين من حاجات كتير.
كأني طول الوقت مستنية حد مش راجع.
مع إن الحقيقة...
إنها كانت موجودة.
تاني يوم الصبح، اتصلت بماما.
قلت
ماما، إنتِ قاعدة؟
قالت
يا سارة أنا بكره لما تبدأي المكالمة كده.
اقعدي بس.
نبرة صوتها اتغيرت.
قعدت.
قلت
نور عايشة.
سكتت.
وبعدين قالت بحذر
حبيبتي...
قلت
أنا شوفتها.
سكتت تاني.
قلت بسرعة
عرفت القمر اللي في حيطة أوضتي. وعرفت موضوع الفازة. دي نور يا ماما.
بابا أخد منها الموبايل.
كنت مستنية يسألني فين؟ إزاي؟ متأكدة؟
لكنه قال
محتاجة مننا إيه؟
عيطت.
قلت
معرفش.
قال
يبقى نبدأ من هنا يا بنتي.
بعد يومين، أخدت ماما وبابا عند نور.
أول ما ماما دخلت الشقة وشافتها واقفة جنب الشباك...
وقفت.
نور وقفت مكانها.
وبعدين ماما جريت عليها.
بنتي!
نور في الأول اتخشبت.
وبعدين
انهارت في حضنها.
بابا وقف بعيد، بيمسح دموعه.
وقال
إزيك يا نور؟
بصيت بعيد.
كنت بحبها.
وكنت غاضبة منها لدرجة مش قادرة أوصفها.
والغريب إن الإحساسين كانوا موجودين في نفس الوقت.
بعد شوية، ماما بدأت تتكلم بسرعة من توترها وفرحتها.
أنا لسه بعمل فطيرة الكريز اللي كنتِ بتحبيها! وأوضتك مش لونها أزرق دلوقتي، بس
 

تم نسخ الرابط