بعد وفاة جوزي
بس هي مكنتش بتسمعله، كأنها بتنفذ سيناريو متراجع ومحفوظ بالحرف. مسكتني من شعري وشدتني لبرة الحمام، وأنا بصرخ وبحاول أستر نفسي، والدموع مغرية وشي. عيالي الصغار جرو عليا بيبكوا ومرعوبين من المنظر، وهي زقتني لبرة الأوضة خالص.. طلعتني للصالون قدام القرايب والمعازيم اللي كانوا لسه واصلين وبيفهموا في إيه.
رمتني في وسط الصالون بنظرة كلها كره وشماتة، وقالت بصوت أعلى قدام الكل: "شوفوا الهانم! جاية بيتي تاكل وتشرب وتستغل عطفنا، وفي الآخر بتغفلني وبتتسحب لجوزي في الحمام! دي هي دي الأخوة؟ ده جزاء إن فتحتلها بيتي عشان أصرف عليها وعلى عيالها؟"
الذهول أكل وجوه الناس. نظرات القرف والاتهام من العيلة بدأت تترسخ عليا. أختي الكبيرة، الوحيدة اللي فاضلالي في الدنيا، قررت تقتل سمعتي وشرفي قدام الناس عشان ترضي حقدها القديم. هي كانت عارفة إن جوزها نيتها صافية ورايح يظبط حنفية الحمام زي ما طلبت منه، وهي اللي استغلت وجودي بهدومي الداخلية عشان تعمل التمثيلة القذرة دي.
أنا قعدت على الأرض ومستورة بأيدي وبصيح بقلب محروق: "والله كدابة! هي اللي قالتلي اقلعي فستانك عشان تحمي البت،
بس مين يصدق واحدة مسكينة شغالاة عندهم، قدام ست البيت الميسورة اللي بتعيط وتدعي المظلومية؟ القرايب بدأوا يتهامسوا، وناس منهم قالوا: "اعوذ بالله، الشغف بالفلوس يعمي النفوس، طلعت من تحت لتحت."
جوزها حاول يتكلم ويقول: "يا جماعة افهموا، سهام هي اللي قالتلي..."، بس هي زعقت فيه وهددته بالطلاق ولوحّت إنها هتمشيه لو دفاعه عني كمل، فسكت وخاف على بيته وعياله، وسابني أواجه المصير لوحدي.
مسكت عيالي اللي كانوا بيبكوا بهستيريا، وأنا بترعش من الخوف والاهانة. دخلت الأوضة وأنا بقفل الباب على نفسي بصعوبة، لبست هدومي بسرعة وأنا إيدي مش قادرة تمسك الزرار. خرجت من الشقة وأنا جرجرت عيالي ورايا، وصوت همسات القرايب وضحكات أختي المسمومة بتطاردني لحد باب الشارع.
رجعت بيتي المتواضع، قفلت الباب وعيطت عياط عمره ما طلع مني، حتى يوم وفاة جوزي. كنت حاسة إن ضهري اتكسر، وشرفي اللي حافظت عليه طول حياتي أختي نهته في لحظة عشان غل قديم. العيال ناموا من كتر البكاء والخوف، وأنا قعدت في الصالة مستنية الفجر يأذن، مش عارفة هصرف عليهم منين،
عدت أيام أصعب من السم. التليفونات قطعت، وقرايبنا بدأوا يتهربوا مني ويسحبوا إيديهم. المكان اللي كنت بشتري منه الأكل بالآجل بقى يعاملني بجفاء. بس ربنا مش بيكرب حد إلا ويكون معاه الفرج.
بعد أسبوعين من القعدة في البيت والدموع مش بتفارقني، الباب خبط. فتحت وأنا خايفة، لقيت حماتي (أم جوزي الله يرحمه). ست كبيرة وعاقلة وبتخاف ربنا. دخلت وبصتلي بمنتهى الحنية وقالتلي: "يا بنتي، أنا عارفة تربيتك وعارفة ابن الله يرحمه اختارك ليه. سهام اختك نيتها كانت باينة من زمان، واللي حصل ده لعب ملعوب."
دموعي نزلت، ولأول مرة أحس إن في حد صدقني. حماتي كملت كلامها: "أنا مش هسيبك، وصاحبة المصنع اللي كان شغال فيه جوزك تسأل عليكي من فترة، ولما عرفت بظروفك عرضت إنك تمسكي الإشراف على التعبئة والتغليف في قسم الحريم عندهم، بمرتب محترم وكرامة مرفوعة."
كانت دي طوق النجاة اللي ربنا بعتهولي. نزلت الشغل، واجتهدت وتعبت جداً، وربنا فتحها عليا. بقيت أشتغل الصبح في المصنع، وبالليل أعمل أكله بيتي وأبيعه أونلاين. السنين دارت وربنا باركلي في رزقي،
في يوم من الأيام، بعد مرور يجي ثلاث سنين، سمعت إن بيت أختي سهام اتخرب. جوزها اكتشف كذبها افتراءها عليه وعلى الناس في مواقف تانية، والمشاكل زادت بينهم لحد ما طلقها وطردها من البيت، وأخد منها العيال. أختي بقت لوحدها، متقاطعة من القرايب اللي اكتشفوا حقيقتها مع الوقت، وعايشة في شقة إيجار بالإهانة والفقر.
في يوم كنت ماشية في السوق مع عيالي، شفتها من بعيد. كانت شكلها متغيّر، الهم باين على وشها والكسرة واضحة في عيونها. أول ما شافتني، حاولت تداري وشها من الخجل.
قربت منها، وبصيت في عيونها. مكنش في قلبي شماتة، كان فيه بس حمد وشكر لله إنه ظهر حقيقتي وردلي كرامتي من غير ما أئذي حد. طلعت مبلغ من المال، وحطيته في إيدها بهدوء وقلتلها: "ده عشان خاطر إنك أختي، وعشان أنا مش هرد الإساءة بالإساءة.. ربنا يهديكي يا سهام."
مشيت وسيبتها ورايا بتعيط بدموع الندم. اتعلمت إن الحق ممكن يتأخر، والظلم ممكن يوجع ويجرح القلب، بس عدل ربنا مفيش أعظم منه، واللقمة الحلال بالكرامة تسوى