عدت إلى المنزل مبكرًا
عدتُ إلى المنزل مبكرًا ليلة رأس السنة، كنت أخطط لمفاجأة زوجتي وأحمل ابني الرضيع لأول مرة.
لكن ما وجدته لم يكن مفاجأة بل كابوسًا لم أكن مستعدًا له.
وجدت ليلى بالكاد واعية بعد عملية جراحية خطيرة، منهكة من الجوع، وتحاول بكل ما تبقى لديها من قوة أن تُبقي طفلنا الصغير دافئًا داخل شقة شبه خالية وباردة كأنها مهجورة.
أمي وأختي لم يكونا هناك.
والمال الذي أرسلته لعلاج زوجتي اختفى.
لم أصرخ.
لم أتصل بهما.
فقط فتحت تسجيلات كاميرات المراقبة.
وما رأيته لاحقًا كان كفيلًا بأن يطرق رجال الشرطة باب غرفتهما في فندق فاخر.
الجزء الأول
فين مراتي؟ فين ابني؟
صوتي ملأ الشقة المظلمة وأنا بدخل.
الرد الوحيد كان بكاء خافت لطفل رضيع جاي من المطبخ.
الساعة كانت قرب 1130 مساءً ليلة رأس السنة.
كل الناس فاكرين إني لسه في ألمانيا، في ميونخ، بشتغل على فحص معدات صناعية لحد أول يناير.
لكن أنا غيرت الرحلة فجأة، دفعت مبلغ كبير جدًا عشان تذكرة في آخر لحظة، ورجعت للقاهرة من غير ما أقول لحد.
كنت عايز أفاجئ ليلى.
كانت لسه عاملة عملية قيصرية طارئة من 11 يوم ولسه ما شُفتش ولا شلت ابني ياسين.
شنطتي كانت مليانة هدايا
هدوم دافية للطفل،
كريمات وأدوية لمرحلة التعافي،
شوكولاتة لأمي،
وعطر غالي لأختي سارة.
في اللحظة دي كنت لسه فاكر إنهم يستاهلوا.
شقتنا في التجمع كانت غريبة هادية وباردة بشكل مخيف.
مفيش زينة.
مفيش أكل.
مفيش حتى بقايا أكل.
حفاضات مستخدمة مرمية في الصالة، كوبايات فاضية على الترابيزة، وعلبة لبن أطفال مفتوحة ومهملة.
دخلت المطبخ
وجسمي كله تجمد.
ليلى كانت قاعدة منحنية على كرسي بلاستيك، لابسة بيجامة خفيفة وكارديجان قديم.
وشها كان شاحب.
شفايفها ناشفة ومشققة.
إيدها ضاغطة على جرح العملية.
وبقعة غامقة باينة على هدومها عند بطنها.
قدامها كوب نودلز سريعة باردة.
وابني ياسين نايم جنبها في سرير صغير، بيعيط بصوت ضعيف، ومتغطّي ببطانية خفيفة لا تكفي برد الشتاء.
يوسف
صوتها كان بالكاد مسموع.
رجعت ليه بدري؟
حاولت تقوم
هحضّرلك حاجة تاكلها
لكن رجليها خانتها.
لحقتها قبل ما تقع.
فين أمي؟ فين سارة؟ وفين جوزها كريم؟
كنت بحاول أسيطر على صوتي.
فين الأكل؟ أنا بعت 250 ألف جنيه عشان يهتموا بيكي!
ليلى بصّت بعيد.
وقالت بصوت ضعيف
سافروا الغردقة.
ليه؟
إجازة رأس السنة.
حاولت تبتسم لكنها تعبت حتى من المحاولة.
أنا ما كنتش محتاجة كتير بس شوية شوربة.
وسكتت لحظة ثم قالت بهدوء موجع
مامتك قالت الست بعد العملية لازم تاكل خفيف عشان جسمها ينضف.
فتحت التلاجة فورًا.
فاضية.
السلمون اختفى.
اللحمة اختفت.
الشوربة اللي كنت طالبها مخصوص ليها اختفت.
الفاكهة اللبن الفيتامينات كل حاجة.
حتى لبن الطفل المستورد مش موجود.
كان فيه ورقة ملزوقة جوه التلاجة.
خط أمي نادية
إحنا سافرنا نحتفل برأس السنة في الجونة مع سارة وكريم وأصحابنا.
هتلاقي حاجة في المطبخ لو جعتي.
بلاش تكلمي يوسف وتعملي نفسك مظلومة هو بيتعب عشاننا كلنا.
ليلى مسكت كم قميصي.
عيونها مليانة خوف
لو سمحت ما تواجِههاش.
هتقول إني بوّظتك علي أهلك.
ما رديتش.
الغضب جوايا بقى أكبر من أي كلام.
طلعت موبايلي وصورت كل حاجة
التلاجة الفاضية،
الأكل البارد،
بقعة الدم على هدومها،
الرسالة.
بعدها لفيت ياسين في معطفي الشتوي، شلت ليلى بين إيديا، ونزلت بيهم تاكسي.
الألعاب النارية كانت منورة سما القاهرة وإحنا رايحين المستشفى.
ليلى كانت بترتعش من الحمى وهي في .
قبل ما أقفل موبايلي
فتحت تطبيق البنك.
لغيت كل الكروت المرتبطة بحسابي
كارت أمي.
كارت أختي.
كارت جوزها.
بعدها فتحت تطبيق كاميرات المراقبة.
واللي شفته
ما كانش مجرد إهمال.
كان دليل.
دليل على سرقة الأكل والفلوس وكل حاجة كانت مخصصة لعلاج زوجتي.
ودليل هيتحول قريبًا لقضية جنائية.
مع أول ضوء الصبح
احتفالهم الفاخر برأس السنة هيبدأ ينهار.
وقبل ما العيد يخلص
الشرطة هتكون واقفة قدام باب أوضتهم في الفندق.
الجزء الثاني هيكشف
ماذا سجلت الكاميرات؟
ولماذا تم استدعاء الشرطة؟
وما السر الذي دمّر كل أعذارهم؟
الجزء الثاني
وصلنا المستشفى قبل منتصف الليل بدقائق.
الأطباء ما ضيعوش وقت.
أخدوا ليلى فورًا على الطوارئ وطفلي ياسين دخل حضانة مؤقتة بسبب انخفاض حرارته.
وقفت لوحدي في الممر إيدي لسه بترتعش، لكن عقلي كان هادي بشكل غريب.
مش هدوء طبيعي
ده كان هدوء قبل العاصفة.
قعدت على الكرسي، وفتحت تسجيلات الكاميرات.
اليوم الأول بعد سفري
ظهرَت أمي نادية وهي داخلة الشقة ومعاها أكياس أكل كتير.
وراها أختي سارة، بتضحك، وجوزها كريم شايل كراتين مشروبات.
في البداية افتكرت إنهم جايين يهتموا بيها.
لكن بعد دقايق
الحقيقة بدأت تظهر.
ليلى كانت قاعدة في نفس الكرسي ضعيفة، بالكاد قادرة تتحرك.
سمعتها بتقول بصوت واطي
ممكن شوية شوربة أنا تعبانة.
أمي بصتلها ببرود، وردت
إنتي مدلعة زيادة. الستات زمان كانت بتولد وتقوم تخدم البيت كله.
سارة ضحكت وقالت
وبعدين إحنا مش خدامين عندك.
وبكل بساطة
بدأوا ياكلوا.
فتحوا الأكل اللي أنا طالبه مخصوص ليها وأكلوه قدامها.
اللحمة السمك الفاكهة حتى الشوربة.
ليلى كانت بتبص من غير كلام.
بعدها كريم فتح علبة لبن الطفل.
قال ساخر
هو مش غالي قوي ده؟ خلينا ناخده معانا نبيعه أو نديه لحد.
أمي ردت
خليه يوسف هيبعت غيره. هو مش بيبخل علينا.
وقتها حسيت إن دمي بيغلي.
لكن كملت.
اليوم التاني
الكاميرا سجلت حاجة أبشع.
ليلى حاولت تقوم تاخد أكل من التلاجة.
سارة زقتها بإيدها.
وقعت على الأرض.
وما حدش ساعدها.
فضلت تحاول تقوم لوحدها.
وأمي كانت واقفة بتتفرج.
وقالت جملة عمري ما هنساها
سيبيها تتعلم. يمكن تبطل تمثيل.
قفلت عيني للحظة
لكن ما قدرتش أوقف الفيديو.
اليوم الثالث
كان يوم سحب الفلوس.
الكاميرا اللي في الصالة كانت موجهة ناحية الطاولة.
أمي كانت ماسكة الكارت بتاعي.
قالت
يوسف بعت 250 ألف جنيه كفاية نعيش بيهم أحلى أسبوع في الجونة.
سارة ردت
وأهو نحتفل برأس السنة بدل القعدة الكئيبة هنا.
كريم ضحك
والغلبانة دي؟
أمي ردت ببرود
هتتصرف. ولو ماتت هو يتجوز غيرها.
سكتت
ما قدرتش أتنفس للحظة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر تسجيل.
قبل ما يمشوا بيوم
دخل شاب غريب الشقة.
سارة هي اللي فتحِتله الباب.
كان واضح إنه مندوب من شركة سياحة.
سلمهم أوراق وحجز فندق فاخر في الجونة.
لكن قبل ما يمشي
قال جملة غيرت كل حاجة
بس لازم تدفعوا باقي المبلغ نقدي لأن الكارت اللي استخدمتوه عليه بلاغ من البنك.
أمي توترت
لكن كريم قال
ولا يهمك هنسحب كاش بكرة.
وهنا فهمت.
هم مش بس سرقوا فلوسي
هم كمان استخدموا حسابي بطريقة ممكن تدخلهم