جوزي قالي انه زهق من انه يصرف عليا
ده؟
كشف حساب.
أحمد اتجمد.
كان عارف الملف ده.
لأنه الملف اللي كنت بجمع فيه المصاريف من شهور.
فتحت أول صفحة.
دي فاتورة اللحمة الشهر اللي فات.
وقلبت الصفحة.
ودي الحلويات.
وقلبت اللي بعدها.
ودي الخضار.
ثم حطيت الورق كله قدامهم.
ودي إجمالي تكلفة عزومات الجمعة بس خلال آخر سنة.
كريم مد إيده وأخد الورقة.
وبعد ثواني عينيه وسعت.
الرقم ده حقيقي؟
طبعًا.
حماتي خطفت الورقة منه.
وأول ما قرأت الرقم، لون وشها اتغير.
ماكانتش متخيلة إن الأكل اللي بيتحط قدامها كل أسبوع بيتكلف بالشكل ده.
قالت بسرعة
هو إحنا طلبنا منك تعملي كل ده؟
ضحكت.
لأول مرة من قلبي.
أيوه.
بصتلي پصدمة.
فكملت
كل مرة كنتي تقولي المحشي ناقص حاجة. أو اللحمة أقل من اللازم. أو العيال نفسها في نوع حلويات معين.
سكتت لحظة.
ولما
كنت أقول إن
التكلفة كبيرة، كنتي تقولي ما إنتِ مرتبك كبير.
الصالة كلها سكتت.
لأن مفيش حد قدر ينكر.
حتى أحمد نزل عينه في الأرض.
وقتها طلعت
وحطيتها قدامه.
ودي بقى حاجة أهم.
رفع الورقة.
وكان فيها كشف بكل فواتير البيت خلال سنتين.
الكهربا.
المياه.
الغاز.
الإنترنت.
الصيانة.
الأجهزة.
كل حاجة.
وفي جنب كل بند اسم اللي دفع.
وكان اسمي متكرر تقريبًا في كل السطور.
أحمد قلب الصفحات بسرعة.
كل ما يقلب صفحة، وشه كان بيزيد شحوب.
لحد ما وقف عند آخر صفحة.
وهناك كان الإجمالي.
فرق ضخم جدًا بين اللي دفعته أنا واللي دفعه هو.
بصلي كأنه أول مرة يشوف الحقيقة.
وقال بصوت خاڤت
أنا... ماكنتش واخد بالي.
رديت بهدوء
وده أصل المشكلة.
حماتي حاولت تتدخل.
ما هو الراجل بيشتغل برضه.
بصيتلها.
وأنا؟
سكتت.
أنا كنت بصحى ستة الصبح. أجهز البيت. أنزل شغلي. أرجع أكمل شغل البيت. وأستقبل الضيوف. وأدفع أغلب المصاريف.
ثم وجهت كلامي لأحمد مباشرة.
ومع ذلك اقتنعت إني أنا اللي عايشة على حسابك.
الكلمات وقعت عليه كالحجر.
لأنه لأول مرة سمعها كاملة.
من غير مقاطعة.
ومن غير تبرير.
ومن غير
بعد نص ساعة تقريبًا، الناس بدأت تمشي.
مفيش غدا.
ومفيش علب بلاستيك اتملت.
ولأول مرة من سنين، الجمعة خلصت من غير ما أقف أربع ساعات في المطبخ.
لكن الليلة دي ما خلصتش كده.
بعد ما البيت هدي، لقيت أحمد قاعد لوحده في البلكونة.
قدامه الملف الأزرق.
والورق كله متبعتر.
كان بيحسب.
ويجمع.
ويطرح.
كأنه بيكتشف حياة عاشها بنفسه لكنه عمره ما انتبه لها.
قعدت على الكرسي المقابل.
وسبته يتكلم الأول.
بعد دقائق طويلة قال
أنا كنت فاكر إني بشيل البيت.
ما رديتش.
فكمل
وكنت فاكر إن كل اللي بتعمليه ده حاجات بسيطة.
اتنهد.
لكن الظاهر إني كنت شايف اللي بدفعه أنا بس.
أول مرة من سنين سمعته بيتكلم من غير دفاع.
من غير ما يرمي اللوم على حد.
من غير ما يجيب سيرة ممدوح أو كلام أمه.
قال وهو باصص للورق
أنا ظلمتك.
الجملة كانت بسيطة.
لكنها خرجت بصعوبة واضحة.
زي واحد بيحاول يبلع شوك.
قلت بهدوء
المشكلة مش في الفلوس يا أحمد.
رفع عينه ناحيتي.
المشكلة إنك صدقت إني حمل عليك.
سكت.
لأنه ماكانش عنده رد.
وفي الأسبوع اللي بعده حصل شيء غريب جدًا.
الحاجة نوال اتصلت.
ولأول مرة من سنين ما سألتش
الغدا هيبقى إيه؟
سألت
إنتِ عاملة إيه يا سارة؟
استغربت.
لكن جاوبتها عادي.
وبعد تردد طويل قالت
يمكن... يمكن إحنا كنا واخدين تعبك كأمر طبيعي.
الجملة ما مسحتش كل اللي فات.
لكنها كانت بداية.
أما أحمد، فبدأ يشارك فعلًا.
مش بالكلام.
بالفعل.
أول فاتورة جات بعد كده دفعها من غير ما أطلب.
وأول جمعة بعدها طلب أكل من مطعم على حسابه لما عرف إني مرهقة من الشغل.
وأول مرة في حياتنا، وقف في المطبخ يغسل الصحون بعد ما الضيوف مشيوا.
بصيتله وقتها باستغراب.
فضحك وقال
واضح إني عليا متأخرات كتير.
ابتسمت رغمًا عني.
لأن بعض الدروس ما بتتعلمش بالخناقات.
بتتعلم لما الحقيقة تتحط قدام الناس... بالأرقام.
وبعد شهور طويلة، وأنا برتب البيت، لقيت الاستيكر الوردي القديم لازق على علبة قهوة في آخر
شيلته وأنا بضحك.
لأن الرسالة أخيرًا وصلت.
مش إن كل واحد يعيش لنفسه.
لكن إن اللي بيبني بيت مع
حد لازم يشوف تعبه...
قبل ما يحسب فلوسه.