عيد جوازنا العاشر

لمحة نيوز

نادية ظلت تبتسم في وجهي لسنوات وفى الاخر تزوجت من زوجي، سنوات وهي تقولي لي بحبك يا أبله في وجهي مباشرة. إذا كانت قادرة على خداعي طوال هذه المدة في أمر كهذا... فما الذي كذبت فيه أيضًا؟
قبيل الشروق، توجهت إلى درج تسريحتي السفلي، وأخرجت كيسًا قديمًا. كان بداخله طاقية أطفال صغيرة زرقاء من الكروشيه، كنت قد غزلته بنفسي بيدي قبل اثني عشر عامًا عندما كنت حاملًا في الشهر السابع!
نعم... لقد كان لي ابن، ولم يكن أحد في هذه القصة يعرف ذلك.
قبل اثني عشر عامًا، لم أكن قد التقيت ب طارق بعد. كنت أخدم في الجيش، وكان والد طفليوزوجى الاول هو زميل سلاح لي قد توفي في حادث أليم قبل ولادة ابننا بثلاثة أشهر. وضعت طفلي وحيدة في مستوصف صغير ليلًا، ونزفت الكثير من الدماء وفقدت الوعي.
عندما أفقت، كانت نادية تجلس بجوار سريري وتمسك بيدي وهي تهمس باكية
البقية في حياتك يا لمياء.. نزل ميت، ما لحقش ياخد نَفَس واحد.
لم أره قط، ولا حتى بعد وفاته. وقالت لي وقتها علشان ما تفتكريهوش بالمنظر ده وتتعذبي. هي من تولت كل شيء؛ لم تكن هناك جنازة، ولا قبر، لم يكن لي سوى كلمتها وثقتي العمياء فيها لأنها أختي، ولأنني كنت محطمة تمامًا من الحزن والصدمة لدرجة تمنعني من طرح الأسئلة.
طوال اثني عشر عامًا، احتفظت بتلك الطاقية الزرقاء الصغيرة دون أن يكون لدي حتى قبر أبكيه عليه. لكن في تلك

الليلة، ولأول مرة، لم أضمها إلى وجهي لأبكي، بل حدقت فيها وتساءلت لماذا لم يسمح لي أحد برؤية طفلي؟
طوال اثني عشر عامًا، حملت ذنبًا لم يكن ذنبي، ذنب أنني لم أسمع طفلي يتنفس. وفي ذلك اليوم، قررت أن أتحرر من هذا الذنب... لقد سُرق مني ولم أخذله أنا.
المواجهة القضائية والحقيقة الكاملة
استعنت ب شريف المحقق الخاص مرة أخرى، لكن هذه المرة للنبش في الماضي. وبفضل علاقاتي القديمة وخيوط المحقق، وصلنا إلى الحقيقة التي تخلع القلوب ابني لم يمت.
نادية بالتواطؤ مع أمينعم، أمي التي كانت تخشى كلام الناس وفضيحة أن تلد ابنتها الضابطة طفلاً توفي والده قبل توثيق زواجهما الرسمي بسبب الإجراءاتقامتا بتزوير الأوراق وأخبرتا المستشفى أنني متنازلة عنه، وتبنته نادية رسميًا وسجلته باسمها وباسم زوجها الأول لتستأثر به!
رفعت دعوى قضائية عاجلة، وبموجب تحاليل ال DNA وإثبات التزوير الفاضح، حكمت المحكمة أخيرًا بعودة ابني إليّ، وكان اسمه عمر ويبلغ من العمر اثني عشر عامًا.
لكن الواقع لم يكن كالأفلام؛ لم يركض عمر إلى حضني باكيًا، بل في ذلك اليوم كان يكرهني. بالنسبة له، كانت المحكمة قد خطفته للتو من حضن المرأة التي ظنها أمه طوال حياته. خرج من قاعة المحكمة وهو يمسك بيد جدي أبي دون أن ينظر إليّ نظرة واحدة.
كان بإمكاني إلقاء نادية في السجن؛ أخبرني المحامي أن ما فعلته من تزوير وخطف
كفيل بسجنها لسنوات طويلة، وكانت عريضة الدعوى الجنائية جاهزة ولا تنقصها سوى توقيعي.
ولكن، بعد أسابيع من الصمت والجفاء في بيتي، تحدث معي عمر أخيرًا وقال لي بجفاء
لو سجنتي أمي.. عمرري ما هسامحك.
ولم أوقع. ربما كنت مخطئة، فالكثيرون قالوا لي إنني أخطأت وأن نادية تستحق أن تعفن خلف القضبان، وربما يكونون على حق. لكنني لم أكن لأستعيد ابنًا ببناء جدار من الدموع وحرمانه من المرأة التي ربت سماها أمي طوال اثني عشر عامًا. كان هذا الثمن ثمني أنا لأدفعه، وليس ثمنه هو.
انتقلت نادية للعيش في محافظة أخرى أسوان،؛ ولم يبقَ معها هو الآخر.
وإلى يومنا هذا، ما زالت تلومني على كل ما حدث، وقالت لي في آخر مكالمة بيننا لو ما كنتيش دايماً مثالية ومسيطرة، ما كانش كل ده حصل! لكنني رفضت أن أحمل هذا الذنب، فهو ذنبها هي وحدها.
أما طارق، فلم أره مرة أخرى بعد طلاقنا. وعلمت لاحقًا أن نادية كانت تلاعبه هو الآخر؛ إذ كانت ترسل له رسائل مفبركة من أرقام وهمية لتوهمه بأنني على علم بعلاقتهما وموافقة عليها! بالطبع هذا لا يبرئه، فقد كذب عليا وهو يعلم تمامًا من تكون. كل شخص يحمل وزره الآن.
أما مسامحة أمي... فقد كانت هي الجزء الأصعب، وما زالت. فبعض الغفران لا يأتي دفعة واحدة، بل يولد مجزأً، شيئًا فشيئًا.
انتقل عمر للعيش معي، في البداية كان لا يكاد يتحدث، يغلق باب غرفته طوال الوقت،
ويناديني باسمي المجرد لمياء، دون أي لقب. لم أضغط عليه أبدًا، فكيف لي أن أفعل؟ أنا كان لدي اثنا عشر عامًا لأشتاق إليه وأحبه، أما هو فقد عاش اثني عشر عامًا يؤمن بقصة مختلفة تمامًا.
في يوم الأحد الماضي، أعددت له وجبته المفضلة بيض مخفوق وفول بالزيت الحار. وضعت الطاقية الزرقاء الصغيرة المصنوعة من الكروشيه بجانب طبقه دون أن أنطق بكلمة.
التقطها بيده، وكانت تتسع تمامًا في كفه، وسألني
دي كانت بتاعتي؟
أجبته أنا غزلتهالك بإيدي قبل ما تتولد.. قبل ما حد يفهمني إنك مت.
جلس صامتًا لوقت طويل، ثم وضعها ببطء في جيب بنطاله. لم ينادني ماما بعد... ليس الآن. ولكن بعد قليل، ودون أن ينظر في عيني، سألني بصوت خفيض
ممكن تعمليلي بيض تاني الأحد الجاي؟
ابتسمت وقلت له
كل حد.. طول ما أنت عايز يا عمر.
يُعلمون النساء دائمًا أن يلتزمن الصمت حتى لا يفتعلن الفضائح والمشاكل. أنا صمتُّ وتجرعت الألم لاثني عشر عامًا، وبسبب ذلك الصمت كدت أخسر ابني إلى الأبد. إذا كان هناك شيء لا يبدو منطقيًا في حياتك، فاسألي واجهري بالأسئلة، حتى لو ارتجف صوتك، وحتى لو كانت أمك هي من تطالبك بإغلاق الموضوع.
لا يمكنك دائمًا استعادة كل شيء؛ أنا استعدت ابني، لكن الاثني عشر عامًا التي ضاعت من عمري وعمره؟ لن يعوضني عنها أحد.
أغلقت نور المطبخ، وأنا أعلم أن الطاقية الزرقاء الصغيرة ما زالت دافئة في
جيبه، وجلست أنتظر الأحد القادم بشغف.

تم نسخ الرابط