من اول يوم جواز
بالأمان كان يستحق ذلك.
في ذلك المساء رتبت ملابسي داخل خزانة تخصني وحدي.
لم يكن هناك أحد يراقب خطواتي.
ولا أصوات مرتفعة.
ولا صحون متسخة تنتظرني وكأنها حكم صادر بحقي.
كان هناك شيء واحد فقط.
الهدوء.
وفي ذلك الهدوء أخذت نفسًا عميقًا.
ثم جلست أمام حاسوبي وحدثت سيرتي الذاتية.
قبل أن أترك عملي كنت أعمل مصممة جرافيك في شركة تسويق صغيرة.
كنت أملك سجل أعمال جيدًا.
وتوصيات ممتازة.
ورغبة أكبر من أي وقت مضى لأثبت لنفسي أنني قادرة على النهوض من جديد.
في صباح اليوم التالي تلقيت اتصالًا من استوديو تصميم معروف في الرياض.
كانوا يريدون إجراء مقابلة عمل معي.
ذهبت مرتدية بنطالًا أسود وقميصًا أبيض، وربطت شعري بعناية.
استقبلتني المديرة التنفيذية للشركة، الأستاذة ريم الشمري.
تصفحت ملف أعمالي باهتمام.
ثم قالت
عندك حس ممتاز في الألوان والتصميم.
رفعت نظرها نحوي.
لكني ألاحظ وجود عدة أشهر بدون عمل. وش السبب؟
فكرت للحظة.
ثم قررت ألا أكذب.
قلت
كنت على وشك بدء حياة زوجية جديدة. وتركت عملي بناءً على وعود اكتشفت لاحقًا أنها غير حقيقية. والآن أحتاج أن أبدأ من جديد.
ظلت تنظر إليّ عدة ثوانٍ.
ثم سألت
وهل راح يأثر هذا على عملك؟
ابتسمت.
بالعكس. راح يعطيني دافعًا أكبر.
ابتسمت هي الأخرى.
وأغلقت الملف أمامها.
تباشرين معنا يوم الأحد.
خرجت من المبنى وأنا أحمل عرض عمل جديدًا.
وشقة خاصة.
ومحاميًا يتابع قضيتي.
قبل
أما الآن، فقد أصبح لدي طريق واضح أمشي فيه.
لكن خالد...
كان يفقد السيطرة يومًا بعد يوم.
إحدى قريباته، وتدعى الجوهرة، ذهبت إلى المبنى الذي تسكن فيه نوف.
وقفت عند المدخل تصرخ أمام الجميع وتتهمني بأنني نصابة.
اتصلت نوف بالأمن.
ثم حضرت الشرطة.
وقام بعض السكان بتصوير ما حدث.
وبدأت رواية عائلة القحطاني تنتشر بين الناس.
عروس طماعة تترك زوجها بعد يوم واحد من الزواج وتأخذ المال معها.
لكنهم ارتكبوا خطأ كبيرًا.
فالناس بدأوا يسألون سؤالًا واحدًا
لماذا غادرت في اليوم التالي مباشرة؟
حينها كتبت نوف، بعد أن أخذت إذني، عبارة قصيرة عبر حسابها.
قالت
لا تترك امرأة زواجها بعد يوم واحد من باب المزاج. أحيانًا ترحل لأن الجحيم بدأ منذ اليوم الأول.
لم تذكر أسماء.
ولم تعرض صورًا.
لكن من يعرف القصة فهم المقصود.
وبدأت الضغوط تتجه نحو خالد.
بعد أيام قليلة، حدد الأستاذ ماجد السبيعي موعدًا لاجتماع رسمي مع خالد ومحاميه في أحد المقاهي المعروفة وسط الرياض.
مكان عام.
وكاميرات في كل زاوية.
حضرت برفقة ابن عمي فيصل.
كان مدربًا رياضيًا ضخم البنية.
جلس على طاولة بعيدة.
لم يتدخل بشيء.
لكن مجرد وجوده كان كافيًا ليخفض خالد صوته.
وصل خالد.
وبرفقته والدته.
جلست أم خالد دون أن تلقي السلام.
ثم قالت مباشرة
يلا يا سارة. خلاص كفاية دلع ومشاكل.
رفع الأستاذ ماجد يده.
يا أم خالد،
ردت بغضب
أنا حماتها.
فقلت بهدوء
قريبًا ما راح تكونين كذلك.
شد خالد فكه بعصبية.
ثم قال
أبي فلوسي.
نظرت إليه بثبات.
مو فلوسك.
فلوس عائلتي.
المبلغ قُدم دعمًا للزواج. وأهلي استلموه وسلموه لي. بالإضافة إلى مبلغ آخر أضافه والداي من مالهم الخاص. وإذا كنت تبي تطالب بشيء، عندك الطرق النظامية.
قال بعصبية
إذًا أعيدي لنا اللي دفعناه.
فكرت لحظة.
ثم قلت
ممكن.
ساد الصمت.
حتى أم خالد بدت متفاجئة.
أكملت
لكن عندي ثلاثة شروط.
وش هي؟
طلاق فوري.
ثم رفعت إصبعًا ثانيًا.
عدم التواصل معي نهائيًا.
ورفعت الثالث.
واعتذار مكتوب تعترف فيه بالإهانة والتهديدات اللي صدرت منك.
انفجرت أم خالد ضاحكة بسخرية.
اعتذار؟ عشان فوطة؟
فتح الأستاذ ماجد ملفًا كان أمامه.
ثم قال
عندنا تسجيلات للمكالمات. وصور. وشهادات من سكان المبنى. وتقارير أمنية. ومحضر زيارة الشرطة لمنزل والدي موكلتي. وإذا حابين نحول الموضوع إلى قضية كاملة، فممكن نتحدث أيضًا عن الأذى النفسي والإساءة الأسرية والإجراءات القانونية الأخرى.
التفت محامي خالد إليه.
وهمس له ببضع كلمات.
وفجأة شحب وجه خالد.
قال بسرعة
أنا ما ضربتها.
نظرت إليه.
مو لازم تكسر عظمة في جسم إنسان عشان تهينه.
ثم أكملت
رميت فوطة متسخة في وجهي أمام أمك وقلت إن مكاني الطبيعي أخدمكم.
قال متوترًا
كنت أمزح.
نظرت
أجل اضحك الآن.
لم يضحك.
وطال الصمت.
وأخيرًا تحدث محاميه.
نستطيع التفاوض على إعادة جزء من المبلغ الذي قدمته عائلة القحطاني، مقابل إنهاء إجراءات الطلاق بالتراضي، وتوقيع اتفاق يمنع الإساءة المتبادلة أو التشهير.
نظر إليّ الأستاذ ماجد.
لكنني كنت قد فكرت بالأمر مسبقًا.
لم يكن المال هو الأهم.
راحتي النفسية كانت الأهم.
فقلت
سأعيد جزءًا من المبلغ.
ثم أضفت
أما المال الذي أضافه والداي فلن يمسه أحد. وهدايا الزفاف ستبقى معي مقابل التكاليف التي تحملتها لإعادة بناء حياتي.
ثم نظرت إلى خالد مباشرة.
وفي المقابل، توقعون الطلاق. وتتوقفون عن ملاحقتي. وتحذفون أي كلام أو تلميحات عني وعن عائلتي.
احمر وجه أم خالد من الغضب.
حرامية!
لكن المفاجأة جاءت من خالد نفسه.
خفض رأسه.
ثم قال بصوت منخفض
يمه... اسكتي.
نظرت إليه وكأنها لا تصدق ما سمعت.
وش قلت؟
أعادها للمرة الثانية.
قلت اسكتي. يكفي اللي صار.
لم أشعر بالانتصار.
شعرت بشيء أبرد بكثير.
شعرت بأن هذه الصفحة توشك أن تُغلق أخيرًا.
وقعنا اتفاقًا مبدئيًا في ذلك اليوم.
وبعد يومين وصل الاعتذار المكتوب.
كان جافًا.
ورسميًا.
وواضحًا أن المحامي هو من صاغ معظمه.
لكنه احتوى على ما أريده بالضبط.
إقرار بأن خالد تصرف بطريقة مهينة.
وتعهد بعدم التواصل معي مجددًا.
وسحب جميع الاتهامات التي وُجهت إليّ وإلى عائلتي.
بعد ذلك سارت إجراءات الطلاق بسرعة.
وبعد شهر
عدت سارة العتيبي.
مع أنني في الحقيقة لم أتوقف يومًا عن أن أكون سارة العتيبي.
ومع مرور الوقت بدأت أسمع أخبارًا متفرقة