جوزي طردني من البيت

لمحة نيوز


سقوط تدريجي
مي كانت بتحاول تبين إنها قوية، لكنها كانت كل يوم بتفقد جزء من هدوءها، خصوصًا بعد ما بدأت بعض الجهات تطلب مراجعات تفصيلية لكل الملفات القديمة، وكأن في يد خفية بتفتح كل الأدراج اللي كانوا فاكرين إنها اتقفلت للأبد
في الوقت ده، هدى كانت عايشة حياة مختلفة تمامًا، لكن مش سهلة زي ما البعض ممكن يتخيل، هي مش اختارت الطريق السهل، هي اختارت الطريق اللي فيه راحة ضمير حتى لو كان متعب في البداية، كانت كل يوم تصحى بدري، تهتم بابنها، وتشتغل على مشروع صغير بدأ يكبر بهدوء بعيد عن أي ضوضاء
ابنها كان بالنسبة لها مش مجرد طفل، لكنه كان الدافع اللي مخليها تكمل، وكل مرة تبص في عينه كانت بتفتكر ليه قررت تقفل الباب وما ترجعش تفتحه مهما حصل
لكن اللي ماكانوش متوقعينه إن الملف اللي اتفتح في الطيارة ماكانش النهاية، كان البداية بس، لأن في تفاصيل تانية كانت لسه بتظهر واحدة

واحدة، حاجات أعمق بكتير من مجرد أرقام أو أوراق، حاجات تخص قرارات اتاخدت في غرف مقفولة، وترتيبات اتعملت على مدار سنين
في يوم من الأيام، حسين وصله إخطار رسمي بوجود مراجعة شاملة لكل تعاملاته السابقة، وده خلاه لأول مرة يحس إن الأرض مش ثابتة تحته، حس إنه بيتسحب لدوامة كبيرة مش قادر يوقفها
مي في اللحظة دي حاولت تقرب منه أكتر، لكن كان واضح إن كل واحد فيهم بدأ يشوف التاني بشكل مختلف، مش بنفس الصورة اللي كانت موجودة قبل كده، وكأن الضغط اللي عليهم كشف كل الزوايا اللي كانت مستخبية
في نفس الوقت، هدى وصلها طلب مقابلة رسمي من جهة محايدة، بيطلبوا منها توضح بعض النقاط اللي كانت في الملف اللي سلمته، لكنها رفضت في البداية، لأنها ماكانتش عايزة ترجع لنفس الدوامة تاني، لكنها في النهاية وافقت على مقابلة واحدة بس، بشرط إنها تكون في مكان عام ومفيش فيه أي ضغط
يوم المقابلة، هدى دخلت
بهدوء، ماسكة ابنها في إيديها، وملامحها ثابتة بشكل لافت، ولما بدأت تتكلم، ما كانتش بتتكلم بانفعال، كانت بتتكلم كأنها بتسجل تاريخ، بتشرح كل خطوة شافتها بعينها، وكل موقف اتسجل في ذاكرتها من غير زيادة ولا نقصان
كل كلمة كانت بتبني صورة كاملة، صورة مختلفة تمامًا عن اللي حاول البعض يرسخه، ومع كل إجابة كانت بتديها، كانت الدائرة بتتوسع أكتر حوالين الحقيقة
بعد المقابلة، اللي كان مفاجئ للجميع إن مفيش أي تصعيد ضد هدى، بالعكس، كان في اعتراف ضمني إن المعلومات اللي قدمتها كانت دقيقة وموثقة، وده خلى موقفها القانوني والاجتماعي أقوى بكتير مما كان أي حد متوقع
حسين في الوقت ده حاول يوصل لها، مش علشان يطلب رجوع أو عتاب، لكن لأنه بدأ يفهم إن فيه جزء كبير من اللي حصل كان أكبر من تحكمه، وكان عايز يفهم الحقيقة كاملة من مصدرها الوحيد اللي فضل ثابت طول الوقت
في يوم، وقف قدام بيتها
الجديد، مش نفس المكان القديم، لكن حي بسيط وهادي، وفضل واقف فترة طويلة قبل ما الباب يتفتح
هدى ظهرت بهدوء، من غير أي تعبير مفاجأة، وكأنها كانت عارفة إنه جاي من بدري
حسين قال بصوت منخفض فيه تعب واضح أنا مش جاي أطلب حاجة أنا جاي أفهم
سكتت لحظة، وبصت له، مش بنظرة قسوة، لكن بنظرة حد شاف كل حاجة وقرر مايرجعش لنقطة الألم تاني، وقالت له بهدوء الفهم الحقيقي بييجي متأخر قوي بعد ما كل حاجة تكون اتكتبت خلاص
حسين نزل عينه، للمرة الأولى من فترة طويلة ماكانش عنده رد
لكن اللي حصل بعد كده ماكانش مواجهة ولا صدام، كان مجرد لحظة صمت طويلة، كل واحد فيهم فاهم إن الطريق اللي مشوا فيه اتقسم لنقطتين مختلفتين للأبد
وبعد ما مشي، هدى قفلت الباب بهدوء، ورجعت لابنها، وقعدت جنبه، وكأنها بتأكد لنفسها إن الحياة اللي اختارتها مش مثالية، لكنها حقيقية، وواضحة، ومفيهاش أي ظل من اللي كانت عايشة
فيه قبل كده

 

تم نسخ الرابط