سلفتي
أول ما شافني قال:
"خير؟"
قولت له:
"عزت، أنا جاية أقولك حاجة، ومهما حصل بعد كده أنا مستحقة كل كلمة هتقولها لي."
بص لي باستغراب.
قولت:
"أنا اللي خليت العيال يقولولك إن ناصر كان هنا."
وشه اتغير.
فضل ساكت.
كملت:
"أنا اللي علمتهم يقولوا لك إن وفاء أكلته ودخلته البيت."
بص لي بصدمة وقال:
"إنتي؟!"
هزيت راسي وأنا بعيط.
"آه... أنا."
قال بصوت واطي:
"ليه؟"
قولت:
"غيرانة منها... ومش عارفة أقولك غير كده. كنت شايفة إن حماتي بتحبها، وإن البيت كله بقى ليها، ولما شوفت ناصر عندها قلت دي فرصتي أخلي عزت يعرف إنها خالفت كلامه."
سكت شوية، وبعدين قولت:
"بس والله ما كنت عايزة توصل للطلاق."
عزت فضل باصص لي.
قولت له:
"وفاء في المستشفى."
وشه اتجمد.
"إيه؟"
قولت:
"مرات أخوها كانت عندنا امبارح. قالت إنها من يوم ما خرجت من هنا وهي مش بتاكل ولا بتتكلم، ودلوقتي مرمية في المستشفى، والبنت الصغيرة قاعدة مع مرات أخوها."
عزت ما ردش.
حسيت إنه ما استوعبش.
قولت له:
"أنا جاية أطلب منك السماح. أنا ظلمتها، وإنت كمان ظلمتها. وأنا مش هسامح نفسي لو حصل لها حاجة."
وفجأة عزت قام من مكانه.
قال:
"المستشفى فين؟"
قولت له اسم المستشفى.
قال:
"وأنا هروح أجيب بنتي الأول."
جريت وراه وأنا مش مصدقة.
راح بيت أخوه، وخبط على الباب.
مرات أخو وفاء فتحت له، ولما شافته اتفاجئت.
قال لها:
"البنت فين؟"
قالت:
"جوا."
دخل وشال بنته.
البنت أول ما شافته مدت إيديها له وقالت:
"بابا."
الكلمة دي كسرت قلبه.
ضمها لصدره جامد، وفضل ساكت.
مرات أخو وفاء قالت:
"إنت جاي تاخدها؟"
رد:
"دي بنتي."
وبص لها وقال:
"وفاء فين؟"
قالت:
"في المستشفى."
قال:
"أنا رايح لها."
ركب العربية والبنت في حضنه.
وأنا رجعت البيت.
ما قدرتش أروح وراه.
حسيت إن ده موقف لازم يكون بينهم هما الاتنين.
بعد حوالي ساعتين، حماتي كانت قاعدة جنبي، وفجأة تليفونها رن.
كان عزت.
ردت وقالت:
"طمني يا ابني."
سمعنا صوته وهو بيعيط.
"أمي... وفاء تعبانة أوي."
حماتي قالت:
"إيه اللي حصل؟"
قال:
"دخلت عندها، كانت بتبص لي ومش بتتكلم."
سكت شوية.
وبعدين قال:
"حطيت بنتها جنبها، أول ما شافتها بدأت تعيط."
حماتي انهارت في العياط.
عزت كمل:
"أنا غلطت يا أمي."
قالت له:
"اعمل اللي يريح ضميرك."
قال:
"أنا هردها."
حماتي سكتت.
قال:
"هردها يا أمي. مش هسيبها وهي بالحالة دي."
وبعدين قال:
"أنا رميت يمين وأنا غضبان، واتسرعت. مش هسيب مراتي تضيع عشان كلمة اتقالت في لحظة غضب."
قفل المكالمة.
وأنا كنت بعيط من غير صوت.
بعدها بساعتين، عزت رجع البيت.
كان شايل بنته.
دخل أوضته، وبعد شوية خرج وقال لأمه:
"أنا رايح أجيب وفاء."
حماتي قالت:
"هي لسه في المستشفى."
قال:
"هجيبها حتى لو هتفضل فترة عند أهلها لحد ما تخف."
وبص لي.
أنا نزلت عيني في الأرض.
قال:
"وإنتي..."
قلبي وقف.
كمل:
"أنا عارف إنك غلطتي."
دموعي نزلت.
قال:
"بس أنا كمان غلطت."
وبعدين مشي.
بعد كام يوم، وفاء خرجت من المستشفى.
عزت راح لأهلها، وقعد قدامهم، وقال:
"أنا جاي أطلب مراتي."
أخوها قال له:
"إنت طلقتها."
عزت رد:
"عارف."
قال:
"ورميتها وهي شايلة بنتها."
عزت نزل عينه وقال:
"عارف."
قال له:
"طب إيه اللي اتغير؟"
رد عزت:
"أنا."
وسكت شوية.
"أنا اتعلمت إن البيت مش ساحة حرب، وإن العصبية مش رجولة، وإن مراتي لما غلطت كان ممكن أفهمها وأحاسبها من غير ما أهدم بيت كامل."
وفاء كانت قاعدة في الأوضة، وسمعت كلامه.
خرجت وهي لسه ضعيفة.
أول ما شافته، وقفت مكانها.
عزت قرب منها، لكن ما لمسهاش.
قال:
"وفاء، أنا مش جاي أضغط عليكي."
سكت.
"أنا جاي أقولك إن بيتك مستنيكي، وبنتك مستنياكي، وأنا كمان مستني فرصة أصلح اللي عملته."
وفاء بكت.
وقالت:
"وأنا؟"
قال:
"إنتي مراتي."
قالت:
"حتى بعد اللي حصل؟"
رد:
"خصوصًا بعد اللي حصل."
وقتها وفاء بصت لبنتها.
اداها بنتها، ووفاء حضنتها وفضلت تعيط.
وأنا كنت واقفة بعيد، وبراقب المشهد وأنا حاسة إن قلبي بيتقطع.
وفاء وافقت ترجع، لكن مش بسهولة.
رجعت بعد ما عزت وعدها قدام أهلها إنه عمره ما يستخدم الطلاق كتهديد تاني، وإن أي مشكلة بينهم تتحل بالكلام.
أما أنا، ففضلت شايلة ذنبي.
ولما رجعت وفاء البيت، استنيتها على الباب.
أول ما دخلت، قربت منها وقلت:
"سامحيني."
بصت لي فترة طويلة.
قولتلها:
"أنا السبب في اللي حصل."
دموعها نزلت، وقالت:
"أنا زعلت منك أوي."
قولت:
"عارفة."
قالت:
"بس مش عايزة أشيل منك حاجة في قلبي."
حضنتها وأنا بعيط.
ومن يومها اتغيرت حاجات كتير في البيت.
وفاء رجعت زي الأول، بس مش زي الأول في كل حاجة...
بقت أقوى.
وأنا بقيت أعرف إن طيبة الإنسان مش معناها إننا نستغلها.
وأكتر حاجة وجعتني إن ناصر، رغم كل مشاكله، كان سبب الخناقة، لكن وفاء كانت أكتر واحدة دفعت الثمن.
أما أنا...
فكل ما عيالي يعملوا حاجة ويقولوا لي:
"ماما إحنا نقول لعمنا؟"
أبص لهم وأقول:
"لأ يا حبايبي... الكلمة ساعات بتعمل حاجة ما نعرفش نرجعها."
ومن يومها وأنا عمري ما استخدمت طفل عشان أوصل كلام بين الكبار.
لأن الأطفال ممكن يقولوا جملة في ثانيتين...
لكن إحنا الكبار ممكن نقضي سنين بنصلح آثارها.