روحت أخد مراتي ٣
وصلت لباب شقة أبويا في الدور الأرضي، وبدأت أرزع بـ إيديا ورجليا على الباب بكل قوتي. مفيش ثواني وسمعت من جوه أصوات غريبة.. مش أصوات ناس صاحية ومرتاحة.. دي كانت أصوات أنين، وصريخ مكتوم، وصوت تفرير وترجيع رهيب!
الباب مكنش مقفول بالترباس، زقيته بكل قوتي واتفتح معايا. أول ما دخلت الصالة، شوفت منظر عمري ما هنساه في حياتي.. منظر يوقف الدم في العروق!
أبويا الحاج عبد العزيز كان واقع في الأرض جمب الكنبة، ماسك بطنه بـ إيديه الاتنين، وبيتلوى زي الدبيحة، ووشه بقى أزرق تماماً وعروق رقبته ناطرة ونازل منه عرق بغزارة وهو بيصرخ بصوت مبحوح: "آآآه.. بطني.. بطني بتتقطع يا أحمد.. الحقني يا ابني بطني بنار!!"
وعلى الناحية التانية، أخويا تامر اللي كان من شوية بيبتسم ويديني الحلة، كان ساند راسه على
اللحمة الملعونة كانت أسرع مما نتخيل، السموم والفيروسات اللي في أنسجة الحيوانات الميتة تفاعلت مع النار وطلعت سموم قاتلة هجمت على أجهزتهم الهضمية وعملت لهم تسمم دموي حاد وفشل مفاجئ!
سباق مع الموت
في ثواني، كانت رانيا حصلتني وهي شايلة بنتنا، ووشها مليان رعب بس ثباتها كـ "بنت معمل ودكتورة" خلاها تتصرف بسرعة. صرخت فيا:
— "أحمد!! مفيش وقت للبكاء! كلم الإسعاف فوراً وقولهم (حالة تسمم جماعي واشتباه جمرة خبيثة) عشان يجيبوا معاهم المحاليل ومضادات السموم الصح! وبسرعة هيروشولهم مية بملح وخليهم يرجعوا كل اللي في بطنهم مفيش
بقيت أتحرك زي الروبوت من كتر الصدمة.. كلمت الإسعاف وأنا بصيح وأبكي في التليفون، وبقيت أساعد رانيا إننا نخليهم يطردوا كل الأكل اللي أكلوه، بس الحالة كانت بتتدهور بسرعة البرق. أبويا بدأ يفقد الوعي وعينيه تقلب لفوق، وتامر أخويا بدأ يجيله تشنجات.
بعد عشر دقائق كانت أطول من سنين عمري، وصلت عربيتين إسعاف، والمسعفين دخلوا بالنقالات والكمامات بعد ما رانيا بلغتهم بنوع الاشتباه. شالوا أبويا وأمي وتامر، وخدوهم على المستشفى المركزي، ودخلوا فوراً العناية المركزة وقسم السموم، وتم عمل غسيل معدة عاجل وضخ مضادات حيوية قوية جداً في الدم.
النهاية والعبرة
قعدنا في طرقة المستشفى أنا ورانيا يومين كاملين على أعصابنا، بين الحياة والموت، الدكاترة قالوا لنا لو كانت مرت ساعة كمان من غير
الحمد لله، ربنا كتب لهم عمر جديد بعد عذاب وتعب قعدوا فيه في المستشفى أكتر من أسبوعين تحت الملاحظة والعزل، لحد ما اتأكدوا إن جسمهم اتخلص من السموم تماماً.
أبويا الحاج عبد العزيز خرج من التجربة دي شخص تاني خالص. لما رجع البيت وبص في وشي وفي وش رانيا، عينيه دمعت، ومسك إيد رانيا وباسها وقالها: "سامحيني يا بنتي.. أنا اللي جهلي وطمعي وعنادي كانوا هيضيعوا بيتي وعيالي.. أنا قولت عليكي موسوسة ومستخسرة، وطلعتي أنتي اللي أنقذتي حياتنا بعد ربنا".
ومن يومها، اتعلمنا كلنا درس عمري ما هنساه: إن الكلمة والنصيحة من صاحب الشأن لازم تحترم، وإن "الورقة الصغيرة" اللي بنستهتر بيها، ممكن تكون هي الخط الفاصل بين الحياة.