العجوز والجرسونه
الست الغنية ضحكت لما نادلة دافعت عن سيدة عجوز قاعدة لوحدها… لكن أول ما ابنها دخل المطعم، محدش قدر ياخد نفسه.
“قدامك 30 ثانية تشيلي الست دي من قدامي.”
قالتها الست الأنيقة وهي تعدل سوار الألماس اللي في إيدها.
“ريحة هدومها قديمة… ومش لايقة على المكان.”
العجوز سمعت كل كلمة.
إيدها اتجمدت فوق المعلقة.
والابتسامة الصغيرة اللي كانت على وشها اختفت.
أما “سارة” النادلة…
فحست إن حاجة جواها اتكسرت.
بقالها 6 سنين بتشتغل في مطاعم فخمة.
وسمعت إهانات كتير.
وشافت ناس تتعامل مع العاملين كأنهم جزء من الديكور.
لكن المرة دي كانت مختلفة.
الست الكبيرة ما عملتش أي حاجة غلط.
ما اشتكتش.
ما علتش صوتها.
ما طلبتش معاملة خاصة.
كانت بس قاعدة لوحدها تحت نور النجف الكبير.
ولابسة بالطو بسيط باين عليه إنه قديم لكنه نضيف ومكوي بعناية.
أول ما دخلت المطعم قالت لسارة بابتسامة خجولة:
“النهارده عيد ميلادي الـ79.”
“وابني إداني فلوس وقالي اختاري أي مكان نفسك فيه.”
“كنت بعدي من قدام المطعم ده كل سنة… وحبيت أعرف شكله من جوه.”
ساعتها سارة ابتسمت لها.
وقالت:
“إذن لازم تقعدي في أحسن ترابيزة عندنا.”
وفعلًا قعدتها جنب الشباك.
لكن الست الغنية ما عجبهاش المنظر.
وكان اسمها “رانيا الشافعي”.
واحدة من أشهر سيدات الأعمال في المدينة.
وزوجها رجل عقارات معروف.
والمدير كان بيجري ورا رضاهم
وصل المدير للترابيزة.
وقال للعجوز بابتسامة مزيفة:
“ممكن ننقلك لترابيزة تانية؟”
العجوز استغربت.
وقالت:
“بس الترابيزة دي جميلة.”
رد ببرود:
“ده مش طلب.”
في اللحظة دي…
وقفت سارة بينهم.
وقالت:
“هي زبونة زينا زي أي حد.”
المدير بص لها بغضب.
وقال:
“ارجعي شغلك.”
لكن سارة ما اتحركتش.
العجوز بدأت تجمع شنطتها وهي محرجة.
وقالت:
“خلاص يا بنتي… أنا متعودة.”
الجملة دي وجعت سارة أكتر من أي حاجة.
متعودة؟
متعودة إن الناس تبعدها؟
متعودة إنها تحس إنها عبء؟
في الآخر المدير نقلها فعلًا لترابيزة صغيرة جنب باب الحمام.
مكان ضيق.
ريحة المطبخ واصلة له.
وما فيهوش حتى شمعة واحدة.
بعد نص ساعة…
سارة أخدت لها الشوربة بنفسها.
وحطت جنبها عيش زيادة على حسابها.
العجوز رفعت رأسها وقالت:
“إنتِ طيبة.”
ثم ابتسمت وقالت:
“ابني لو عرف اللي حصل هيزعل جدًا.”
ضحكت سارة وسألت:
“هو بيحبك للدرجة دي؟”
العجوز ضحكت بحنان وقالت:
“ده أغلى حاجة عنده في الدنيا.”
“صحيح الحياة قسّت عليه… لكن قلبه لسه زي ما هو.”
وفي اللحظة دي…
باب المطعم اتفتح.
ودخل راجل طويل.
لابس بدلة سوداء.
وماشي بخطوات هادية.
لكن أول ما شافه المدير…
وشه شحب.
وأول ما شافته الست الغنية…
وقفت من مكانها فجأة.
أما العجوز…
فابتسمت وقالت بهدوء:
“أهو ابني جه.”
وساعتها فقط…
فهمت سارة ليه كل
لأن ابن السيدة العجوز…
ما كانش مجرد رجل أعمال.
كان صاحب المطعم.
وصاحب السلسلة كلها.
والشخص الوحيد اللي يقدر يطرد أي حد من المكان… في ثانية واحدة.
الراجل دخل المطعم، وعيونه كانت بتدور في أرجاء المكان بهدوء، لحد ما وقفت نظراته على "الترابيزة" الصغيرة اللي جنب باب الحمام. المكان اللي المدير والست الغنية "رانيا" قرروا يذلوا فيه أمه.
المدير، اللي كان لسه من دقيقة بيزعق لسارة، دلوقتي بقى واقف زي التمثال، وشوشته اتخطفت، بيحاول ينطق بكلمة تبرر الموقف، بس لسانه كان متلجم. رانيا الشافعي، سيدة الأعمال المتغطرسة، وقفت مكانها، ونظرة "الانتصار" اللي كانت في عينيها وهي بتذل العجوز اتحولت لنظرة رعب خالص.
الراجل مشي خطواته ببطء، مشى وسط الزبائن اللي سكتوا فجأة، لحد ما وصل لترابيزة أمه. انحنى وباس إيدها، وقال بصوت واضح سمعه كل اللي في المطعم:
"كل سنة وأنتِ طيبة يا ست الحبايب. ليه قعدتي في المكان ده؟ أنا كنت حاجز لك الترابيزة اللي في النص تحت النجفة."
العجوز ابتسمت ببراءة وقالت:
"ولا يهمك يا ابني، سارة البنت الطيبة هي اللي اهتمت بيا، والمكان هنا كان هادي."
الراجل وقف، وبص للمدير، اللي كان بيحاول يقرب عشان يعتذر ويبرر. الراجل بص له ببرود وقال:
"سارة.. هي اللي اهتمت بأمي؟"
المدير رد بتلعثم: "يا فندم.. كنا بنحاول.. يعني.."
الراجل
"أنت مطرود. وسارة.. هي اللي هتبقى المديرة الجديدة للمطعم ده من اللحظة دي."
المطعم كله دخل في حالة صمت تام. رانيا الشافعي حاولت تنسحب بهدوء، بس صوت الراجل وقفها:
"مدام رانيا؟"
لفت رانيا وهي بتحاول ترسم ابتسامة باهتة: "أهلاً يا فندم.. صدقني كان سوء تفاهم.."
الراجل قرب منها وقال بهدوء مرعب:
"السيدة اللي كنتِ بتوصفيها بـ 'ريحة هدومها قديمة'، هي اللي تعبت وشقيت عشان أبني الإمبراطورية دي، وهي اللي علمتني إن قيمة الإنسان مش في ماركة هدومه، ولا في سوار الألماس اللي في إيده. المطعم ده ممنوع دخوله ليكي من النهاردة وللأبد."
الزبائن بدأوا يتهامسوا، والكل كان بيبص لرانيا بنظرات احتقار. سارة كانت واقفة مش مصدقة اللي بيحصل، حست إن ربنا عوضها عن كل إهانة سمعتها في حياتها.
الراجل بص لسارة وقال:
"سارة، أنا كنت بتابعكم من بعيد لما دخلت، وشفت كل حاجة. أنا محتاج ناس بقلب زيك في الإدارة. مبروك الترقية."
سارة بصت للعجوز، والعجوز غمزت لها بعينها. في اللحظة دي، الكل عرف إن "الظاهر" مش دايمًا هو الحقيقة، وإن "الرداء القديم" ممكن يخبي وراه ملكة، وإن "النادل الصغير" اللي الكل بيستهون بيه، ممكن يكون هو اللي بيقرر مين يقعد ومين يمشي.
رانيا خرجت من المطعم وهي بتجر أذيال الخيبة، والمدير السابق خرج هو كمان، وسارة بدأت تلمس أحلامها اللي كانت فاكراها بعيدة.
العجوز
"يا بنتي، الطيبين دايماً ربنا بيحط في طريقهم ناس زيهم."
خرجوا من المطعم، وبقي المطعم في إيد سارة، اللي اتعلمت يومها إن الكلمة الطيبة والوقفة الشجاعة، أقوى من أي فلوس أو نفوذ.
النهاية.